من المستشفيات إلى المدراس والجامعات، وصولاً إلى واحات التقنية كلها أماكن تستطيع أن ترى بصمات المهاجرين داخلها في الاقتصادات المتقدمة. فالهجرة بمفهومها المحافظ القائم على أساس تجمعات سكانية عشوائية تتغذى على المساعدات وتستنزف الموازنات العامة لم تعد قائمة. ولكن باتت عنصرا حيويا يغذي الاقتصاد بكفاءات وموارد بشرية بمهارات مهمة تدعم الابتكار وتحفظ الريادة في مجالات إستراتيجية، واستهلاك ينعش الأسواق ويحرك الطلب المحلي، ويحفظ للمجتمعات حيويتها من تسارع موجات الشيخوخة التي تضرب جذور كثير من الدول.
لغة الأرقام تبرز أثر الهجرة في أوروبا، ففي وقت تعاني القارة أزمة ديمغرافية ناتجة عن انخفاض المواليد وارتفاع الشيخوخة ونقص في العمالة، ظهر المهاجرين كطوق نجاة للاقتصاد الأوروبي. في ألمانيا أكبر اقتصاد في القارة تشير التقديرات أن الناتج المحلي الإجمالي كان سيكون أقل بنسبة 6% مما كان عليه في 2019 دون المهاجرين الأجانب، في إسبانيا كان المهاجرين العامل الأساسي خلف الأداء الاقتصادي القوى منذ نهاية جائحة كورونا.
في الولايات المتحدة يظهر الأثر الاقتصادي للعمالة الأجنبية بصورة أكثر وضوحًا، ففي 2024 بلغت مساهمة المهاجرين في الناتج الإجمالي نحو 2.1 تريليون دولار. خلال نفس العام شكل المهاجرين ما يقرب من 19.1% من إجمالي القوى العاملة في الاقتصاد الأمريكي. بجانب الأثر المباشر، فهناك جوانب لا تقل أهمية مثل الدور الذي يلعبه المهاجرين في دعم الابتكار والتقدم في صناعات حيوية مثل التكنولوجيا والعلوم والرياضة، سواء عن طريق توفير الكفاءات للمؤسسات القائمة أو تأسيس الشركات في مجالات ذات أهمية للاقتصاد والأمن القومي مثل الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية والفضاء وغيرهم.
وتقف الاقتصادات المتقدمة أمام لحظة حرجة، فالمزاج العام يتحول ضد الهجرة مع صعود تيارات اليمين. ويبقا السؤال الأهم ماذا سيحدث في حالة حدوث هجرة عكسية؟ في ظل أوضاع اقتصادية مضطربة وتوترات جيوسياسية لا تستثني منطقة أو دولة فالنتائج ستكون كارثية. نقص هائل في العاملين في قطاعات أساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم ما يؤثر في جودة الخدمات، ضغط على الميزانيات الحكومية مع انقطاع الضرائب المحصلة من المهاجرين التي تشكل جزءا مهما من الإيرادات العامة. موجة الهجرة سيتبعها موجه تخارج لرؤوس الأموال سواء من المهاجرين أنفسهم أو المستثمرين في السوق مع نقص الكفاءات وارتفاع تكاليف الاستبدال.
في مجتمعات تعاني ارتفاع أعمار السكان يكون المهاجرين بمنزلة الوقود المشغل للاقتصاد على جانبي الطلب والعرض. فالمهاجر يعمل في وظائف متنوعة مثل البناء والزراعة والتصنيع، بجانب قطاعات خدمية مثل الضيافة والمطاعم والفنادق. ونفس الفرد لديه أسرة تغذي الاستهلاك وتنشط الاقتصاد وتدفع عجلة النمو.
هناك أثر سلبي غير مباشر، فكثير من الكفاءات المهاجرة لن تعود إلى بلدانهم الأصلية ولكن ستذهب إلى دول منافسة توفر حوافز ضخمة مالية ومعيشية وبخاصة في مجالات تنافسية مثل التكنولوجيا. هنا فقد الاقتصاد قيمة مضافة كان يضيفها المهاجر قبل خروجه، بجانب تقديم خدماته لدولة منافسة، ممثلة في خبرات يحملها المهاجر تسهم في تطوير قطاعات محلية وتحقق طموحات التقدم والسيطرة.
بتجاهل الأفكار والتحولات السياسية وفي المزاج العام تدرك أن الاقتصادات المتقدمة لا يمكن أن تعيش وتنمو وتزدهر دون مهاجرين. فالوضع الديمغرافي لا يمكن أن يعوض احتياجات الأسواق من العمالة، وطفرة التقنيات والابتكار والتحديث لن تصبح تنافسية في ظل التخلي بسهولة عن كفاءات ومواهب مدربة، ورأس المال سيبحث عن وجهات جديدة تلبي طلبه على عمالة مؤهلة ومتوافرة وذات تكلفة مناسبة، ومن يطالب اليوم بحملات على الهجرة، سيتضرر غداً من نقص الأيدي العاملة وانخفاض جودة خدمات أساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم.
في الختام لم يعد المهاجرون حدثا عابرا في الاقتصادات المتقدمة، إنما ركن رئيسي يرتكز عليه الاقتصاد والاستثمار والابتكار والريادة. وعلى صانعي القرار إدراك أن بعد سنوات من الإقامة والعمل والتعايش بات المهاجرون جزءا من نسيج اجتماعي واقتصادي أكثر تماسكاً. وأن موجات هجرة عكسية ستؤدي لخلل أكبر يصعب تداركه في أسواق العمل وحيوية الاقتصاد وجذب رؤوس الأموال وتنافسية الأسواق.
مستشارة اقتصادية

