الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

نهاية الوصف الوظيفي

محمد الماضي
الجمعة 22 مايو 2026 13:41 |3 دقائق قراءة

لم يعد السؤال في سوق العمل هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي الوظائف؟ فهذا السؤال، رغم تكراره، لم يعد كافيا لفهم ما يحدث الآن. فالمسألة لا تتعلق باختفاء الوظائف فجأة، بقدر ما تتعلق بتغيرها من الداخل. قد تبقى الوظيفة بالاسم نفسه، وقد يبقى الموظف في موقعه ويحمل المسمى ذاته، لكن طبيعة العمل، وطريقة تقييم الأداء، والمهارات التي تمنحه قيمة داخل المؤسسة، لن تبقى كما كانت.

يشير تقرير حديث صادر عن شركة BCG الاستشارية إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل ما بين 50 و55% من الوظائف في الولايات المتحدة خلال العامين إلى الثلاثة أعوام المقبلة، بينما قد تكون من 10 إلى 15% من الوظائف معرضة للإلغاء الكامل خلال 5 أعوام أو أكثر. هذه الأرقام لا تعني أن سوق العمل يتجه إلى إلغاء واسع للوظائف، بقدر ما تكشف أن التحول الحقيقي يحدث داخل الوظائف نفسها. فهناك فرق بين أن تختفي الوظيفة بالكامل، وأن تبقى باسمها القديم بينما يتغير محتواها. وهذا، في الغالب، ما سيحدث مع عدد كبير من الوظائف.

في السابق، كان الوصف الوظيفي يمنح الموظف والمؤسسة قدرا من الوضوح. كانت المهام محددة، والمسؤوليات معروفة، وطريقة التقييم واضحة نسبيا. يعرف الموظف ما ينتظر منه، وتعرف المؤسسة كيف تقيس أداءه. لكن دخول الذكاء الاصطناعي بدأ يغير هذه العلاقة. لم تعد قيمة الموظف في تنفيذ المهمة كما هي مطلوبة  فقط، بل في قدرته على استخدام أدوات تختصر الوقت، وتغير طريقة العمل، وتجعله ينتج أكثر مما كان يستطيع إنتاجه بالأساليب التقليدية.

وهنا يظهر التغيير بشكل أوضح. بعض الوظائف لن تختفي، لكنها ستصبح أكثر صعوبة على أصحابها. العمل الذي كان يحتاج إلى ساعات قد ينجز في دقائق، والتحليل الذي كان يتطلب وقتا طويلا قد تبدأه أداة ذكية خلال لحظات، والمحتوى الذي كان يكتب من الصفر يمكن أن يولد ثم يراجع ويعدل بسرعة. هذا لا يعني أن الإنسان لم يعد مهما، لكنه يعني أن مكان قيمته تغير. لم يعد المطلوب أن ينفذ فقط، بل أن يراجع ويفهم ويحكم ويميز بين ما يصلح وما لا يصلح.

ولا يقف هذا التحول عند الشركات الكبيرة. حتى الشركات الجديدة بدأت تتشكل بطريقة مختلفة. هناك شركات ناشئة في الذكاء الاصطناعي وصلت إلى تقييمات مليارية، رغم أن عدد موظفيها لا يتجاوز عشرات محدودة. هذه الظاهرة تقول: إن أدوات الذكاء الاصطناعي رفعت إنتاجية الفرق الصغيرة إلى مستوى كان يحتاج في السابق إلى شركات أكبر بكثير. لذلك لا يتغير معنى الموظف وحده، بل يتغير معنى الشركة أيضا. لم تعد القيمة مرتبطة دائما بعدد العاملين، بل بقدرة فريق صغير على استخدام التقنية لتكبير أثره.

لهذا، الموظف الذي سيحافظ على قيمته في المرحلة المقبلة لن يكون بالضرورة صاحب الخبرة الأطول. الخبرة مهمة، لكنها لم تعد كافية وحدها. القيمة ستكون عند من يعرف كيف يستخدم خبرته مع أدوات جديدة. من يعرف كيف يسأل، وكيف يراجع، وكيف يفهم حدود الأداة قبل أن يثق في مخرجاتها. أما من كانت قيمته قائمة على مهام متكررة، فقد يجد أن السوق يعيد تقييم دوره بسرعة أكبر مما يتوقع.

وهنا يتغير دور الموارد البشرية. لم يعد كافيا أن تكون إدارة للتوظيف والتدريب والتقييم فقط. هذه المهام ستبقى، لكنها لن تكفي. وسيكون السؤال الأهم عن المهارات التي يجب أن تبنى داخل المؤسسة، والوظائف التي تحتاج إلى إعادة تصميم، والموظفين الذين يمكن نقلهم إلى أدوار أعلى قيمة قبل أن تصبح مهامهم قابلة للأتمتة. هذه الأسئلة لم تعد ترفا إداريا، بل أصبحت جزءا من قدرة المؤسسة على الاستمرار.

ومع ذلك، لن يحدث هذا التحول بالسرعة نفسها في كل القطاعات. الشركات التقنية ستكون عادة أول من يشعر بالأثر، لأنها تعرف الأدوات وتعرف أين تستخدمها داخل العمل. أما الشركات غير التقنية، فقد تحتاج وقتا أطول حتى تفهم أين تضع الذكاء الاصطناعي في سير عملها. لذلك لن يكون الأثر موجة واحدة تضرب الجميع بالطريقة نفسها، بل سيبدأ من الوظائف الأكثر قابلية للرقمنة، ثم ينتقل تدريجيا إلى قطاعات أخرى.

الشركات التي ستتعامل مع الذكاء الاصطناعي فقط كوسيلة لخفض التكاليف قد تحقق نتائج سريعة. لكنها قد تخسر شيئا لا يظهر مباشرة في الأرقام، وهو المعرفة المتراكمة داخل المؤسسة. فالاستغناء عن بعض المهام لا يعني دائما أن المؤسسة أصبحت أكثر كفاءة. أحيانا يعني فقط أنها فقدت جزءا من خبرتها الداخلية قبل أن تعرف كيف تعوضه.

ربما تكون نهاية الوصف الوظيفي التقليدي بداية مرحلة مختلفة في سوق العمل. فالوظيفة لم تعد صندوقا مغلقا من المهام، بل مساحة تتغير مع الأدوات والمهارات. وفي هذه المرحلة، لن يكون السؤال الأهم ما المسمى الوظيفي؟ بل ماذا تستطيع أن تفعل عندما تعمل مع الذكاء الاصطناعي؟ هنا ستتغير قيمة الموظف، لا لأنه ينافس التقنية، بل لأنه يعرف كيف يحولها إلى أثر حقيقي.

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية