الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

يُطلق على المُدخلات اسم نقاط الاختناق، أو التبعيات الحيوية، إذا كانت القوة المهيمنة تسيطر على حصة سوقية مهيمنة من المُدخلات في الاقتصاد المُستهدَف وكان من الصعب إيجاد بدائل للمُدخلات التي يتم الحصول عليها من هذه القوة المهيمنة. فعلى سبيل المثال، تسيطر الولايات المتحدة وحلفاؤها على نسبة هائلة من الخدمات المالية العالمية، تربو على 80% إلى 90% في كثير من البلدان.

وأنظمة المدفوعات، والبنية التحتية للتسويات، والإقراض المُقوَّم بالدولار هي المُدخلات الأساسية في أي اقتصاد يعمل بكفاءة. والافتقار إلى بدائل ممكنة للبنية التحتية المالية الأمريكية يمنح الولايات المتحدة قوة جيواقتصادية كبيرة. وفي الآونة الأخيرة، مارست الولايات المتحدة هذه القوة بفرض عقوبات مالية شاملة على إيران وروسيا، ما عرض بنك اتش إس بي سي لضغوط للإفصاح عن المعاملات المرتبطة بشركة هواوي، وأدى إلى فصل البنوك الروسية عن نظام "سويفت" للمراسلات المالية الدولية.

وعلى الرغم من هذا، توجد مشكلة. فالعلاقة بين السيطرة على قطاع ما والقوة الجيواقتصادية ليست علاقة خطية؛ فهذه القوة تزيد على نحو غير متناسب مع اقتراب القوة المهيمنة من تحقيق السيطرة الكاملة. والفرق بين السيطرة على 95% و85% من أحد المُدخلات كبير على نحو غير متناسب. فعند نسبة 95%، لا تكون لدى الاقتصاد المُستهدَف بدائل ممكنة ويجب عليه قبول أي شروط تمليها القوة المهيمنة. أما عند نسبة 85%، فيوجد ما يكفي من البدائل لمنح الاقتصاد المُستهدَف خيارات مجدية، وسرعان ما يتلاشى نفوذ القوة المهيمنة.

وعادة ما يجد صناع السياسة الأمريكيون العزاء في استمرار هيمنة الدولار وأن البدائل الصينية أمام النظام المالي الغربي لا تزال هامشية. وحسب المقاييس المعيارية، تقدم الصين جزءا ضئيلا من الخدمات المالية العالمية. ويُقال إنه حتى لو قدمت الصين 10% من الخدمات المالية العالمية الأساسية، فستبدو هذه النسبة ضئيلة أمام الهيمنة الأمريكية.

وهذا منطق سليم بشأن الحصص السوقية، ولكن يجانبه الصواب فيما يتعلق بالقوة. فهناك فرق بين الأهمية الاقتصادية الكلية النسبية والأهمية الجيواقتصادية النسبية. ففيما يتعلق باقتصاد متوسط الحجم، فإن وجود مقدم خدمات بديل يستحوذ على 10% من الحصة السوقية يكفي لمواجهة قدر كبير من الإكراه الذي قد تمارسه قوة مهيمنة. ويمكن أن يأتي جزء غير متناسب من الخسائر التي تلحق بقوة الولايات المتحدة من ارتفاع حصة بديل صيني من 1% إلى 10%، حيث تؤدي الزيادات الأخرى في مكاسب السوق الصينية إلى تراجع تدريجي في قوة الولايات المتحدة.

ويُبرز استعداد روسيا لمواجهة العقوبات الغربية هذه الديناميكية. فبعد غزوها شبه جزيرة القرم في 2014، عملت روسيا على الحد من اعتمادها على التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، حيث واصلت تطوير نظام مدفوعاتها المحلي وربطه بالنظم الموجودة في الصين. وبالتالي، تضاءل تأثير القوة المالية لهذا التحالف على روسيا على نحو كبير. ويساعد هذا الاستعداد على تفسير التأثير الضعيف إلى حد ما للعقوبات المالية الشاملة التي فُرضت بعد 2022؛ فقد بنت روسيا بالفعل ما يكفي من البدائل لإضعاف فاعلية هذا السلاح.

وتحذو الصين والهند حذو روسيا حيث تنشئان نظما بديلة للمدفوعات والتسويات. وصحيح أنه من غير المرجح أن تحل هذه النظم محل البنية التي ترتكز على الدولار. وعلى الرغم من هذا، فإن السؤال ليس عما إذا كان بمقدور نظام بديل مزاحمة الدولار الأمريكي في جميع مجالات استخدامه، وإنما ما إذا كان يمتلك مقومات البقاء بما يكفي لتقليص نفوذ الولايات المتحدة بشكل كبير عند الهامش الحدي. والأسواق الصاعدة ليست وحدها في هذا المسعى. فبلدان منطقة اليورو تدفع باتجاه استحداث عملة رقمية أملا في اكتساب مزيد من السيادة النقدية والحد من الاعتماد على البنية التحتية المالية الأمريكية.

في أعقاب تزايد المنافسة بين القوى الكبرى، أصبح من المستحيل تجاهل الجيواقتصاد، وباتت لدى الاقتصاديين أدوات جديدة رهن تصرفهم. 

مخاطر التشتت

توضح دراستنا أن هناك مفاضلة بين المكاسب التي تتحقق من التجارة والأمن الاقتصادي. فالآليات نفسها التي تمثل الأسس التقليدية للمكاسب من التجارة - وفورات الحجم والتخصص - تسبب أيضا تبعية اقتصادية. فالبدائل المحلية التي لم تراكمها البلدان هي بدائل ضعيفة للمُدخلات المهيمنة عالميا، مثل الصناعة التحويلية الصينية أو الخدمات المالية والتكنولوجيا الأمريكية.

وهذا الافتقار إلى البدائل يجعل البلدان عرضة لممارسات الإكراه. وفي ظل تزايد اعتماد الاقتصاد العالمي على السلع والخدمات ذات أوجه التكامل الإستراتيجي ووفورات الحجم، يُرجح أن تكتسب هذه الآليات مزيدا من الأهمية. وينسحب هذا الأمر على نظم المدفوعات، وأيضا على تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي.

ومع صعود القوة الجيواقتصادية إلى صدارة العلاقات الدولية، ترغب القوى المهيمنة في عولمة النظام على نحو مفرط لزيادة اعتماد الآخرين على ما يخضع لسيطرتها، في حين شرعت البلدان التي تعتمد اعتمادا كبيرا على هذه القوى المهيمنة في انتهاج سياسات مناهضة الإكراه للحد من تعرضها للضغوط.

والبنيان المالي الصيني البديل مثال على هذا التوجه، وإستراتيجية الأمن الاقتصادي الأوروبي التي وضعتها المفوضية الأوروبية مثال آخر كان الهدف الواضح منهما التصدي لتسليح التبعيات الاقتصادية.

وقد تكون هذه هي السياسات المثلى على المستوى الفردي، ومن المرجع أيضا، كما هو موضح من العلاقة غير الخطية بين قطاعات نقاط الاختناق، أن تكلل بالنجاح في البلدان التي تطبقها بطريقة مناسبة. وعلى الرغم من هذا، فإن هذه السياسات، مجتمعة، يمكن أن تؤدي إلى اضطرابات في الديناميكية الجماعية.

وتُفضي هذه الديناميكية إلى نتيجة مفاجئة إلى حد ما، وهي أن القوى المهيمنة بمقدورها زيادة رفاهيتها الذاتية عن طريق الحد، طوعا وعلى نحو موثوق، من استخدام الإكراه. وأي قوة مهيمنة تلتزم بالحد من مطالبها (على سبيل المثال عن طريق الامتثال لقواعد المنظمات الدولية) يمكنها إثناء البلدان الأخرى عن انتهاج سياسات مناهضة الإكراه المكلفة. وتتخلى القوة المهيمنة عن بعض مرونتها في ممارسة الإكراه، ولكنها في المقابل تحافظ على حجم شبكتها الاقتصادية وجاذبيتها، وهو ما يمثل مصدر قوتها.

ومن هذا المنظور، فإن النظام الليبرالي بعد الحرب، الذي تألف من مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، يمكن فهمه ليس كنقيض للقوى المهيمنة، وإنما كأحد أكثر أشكالها تطورا. وهذه المؤسسات تعمل بوصفها آليات التزام، فمن خلال تعهد موثوق بألا تستغل مراكز الهيمنة على نحو مفرط، تُبقي الولايات المتحدة والقوى المهيمنة الأخرى البلدان الأخرى ضمن النظام الاقتصادي نفسه.

ومع ضعف هذه القيود القائمة على القواعد، إذا ما رؤي أن القوى المهيمنة راغبة في ممارسة قوتها الجيواقتصادية بطريقة لا يمكن التنبؤ بها أو تقويض التزاماتها المؤسسية، فإن البلدان الأخرى تتخذ رد فعل متعقلا عن طريق وضع سياساتها الخاصة للأمن الاقتصادي والتعجيل بالانفصال عن شبكات القوى المهيمنة.

خبراء اقصاديون في صندوق النقد الدولي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية