د. عادل بن عبد الرحمن القعيّد
تمثل حماية الإنسان في بيئة العمل ركيزة أساسية للتنمية المستدامة، وتزداد أهميتها مع توسع الأنشطة الصناعية والإنشائية والخدمية التي تشهدها السعودية في ظل رؤية السعودية 2030. فبيئة العمل الآمنة والصحية تدعم استقرار المنشآت وإنتاجيتها، وتحافظ على الكفاءات، وتحد من الخسائر البشرية والاقتصادية المرتبطة بالحوادث والأمراض المهنية.
وفي هذا السياق، تظهر البيانات الصادرة حديثا من المنتدى الدولي للاعتماد (IAF CertSearch)، ارتفاع عدد شهادات نظم إدارة السلامة والصحة المهنية وفق المواصفة الدولية ISO 45001 في المملكة من 5148 شهادة في 2024 إلى 7839 شهادة في عام 2025، بزيادة بلغت 2691 شهادة، وبنسبة نمو 52%. ، حيث حافظت المملكة على المرتبة الثامنة عالميًا في كلا العامين. ما يعكس اتساع تبنّي المنشآت لنظم إدارة السلامة والصحة المهنية المعترف بها دوليًا.
وتوفر المواصفة الدولية ISO 45001 إطارًا لإدارة المخاطر المهنية بصورة منهجية، يبدأ بالتزام القيادة ومشاركة العاملين، ويشمل تحديد مصادر الخطر وتقييم المخاطر، ووضع التدابير الوقائية، والاستعداد للطوارئ، والتحقيق في الحوادث، ومراجعة الأداء والتحسين المستمر. ومن ثم، فإن قيمتها تتحقق حين تصبح هذه الممارسات جزءًا من القرارات التشغيلية اليومية، ومن إدارة المقاولين والموردين والتغييرات في مواقع العمل.
ويأتي انتشار هذه الممارسات في سياق اهتمام تنظيمي متواصل بحماية العاملين. فقد أرسى نظام العمل في السعودية التزامات واضحة على أصحاب العمل، تشمل اتخاذ الاحتياطات اللازمة للوقاية من الأخطار والأمراض المهنية، وتعريف العامل بمخاطر مهنته، وتوفير أدوات الوقاية الشخصية وتدريبه على استخدامها. وتشكل هذه الالتزامات أساسًا نظاميًا تدعمه الرقابة والتوعية والأدلة الإرشادية، فيما توفر نظم الإدارة وسيلة مؤسسية لتنظيم تطبيقها ومتابعتها.
ومثّل إنشاء المجلس الوطني للسلامة والصحة المهنية عام 2022 خطوة مهمة لتعزيز التكامل الوطني في هذا المجال؛ إذ أُسند إليه حوكمة المنظومة، وتنسيق أدوار الجهات الحكومية، ومتابعة تنفيذ السياسة الوطنية للسلامة والصحة المهنية. وتشمل اختصاصاته مراجعة الأدوات التنظيمية واقتراح تطويرها، وتنمية القدرات، وتعزيز التوعية، وتطوير منظومة للتبليغ عن الحوادث والإصابات والأمراض المهنية، بما يدعم اتساق الجهود وتوافر المعلومات اللازمة لاتخاذ القرار.
وتكتمل هذه الجهود بدور المركز السعودي للاعتماد في التحقق من الكفاءة الإدارية والفنية لجهات منح الشهادات، ومن بينها الجهات المانحة لشهادات المواصفة ISO 45001، بما يعزز الثقة في أعمال التقييم والشهادات الصادرة عنها. وتتكامل هذه الأدوار في منظومة مترابطة؛ إذ تضع الجهات التنظيمية المتطلبات وتراقب الامتثال لها، وتتولى المنشآت تطبيق نظم السلامة والوقاية، وتتحقق جهات منح الشهادات من مطابقة نظم الإدارة للمواصفات، فيما يعزز الاعتماد الثقة في كفاءة هذه الجهات وحياديتها وموثوقية الشهادات الصادرة عنها.
ويمثل تنامي شهادات السلامة والصحة المهنية في السعودية أساسًا لتعزيز الممارسات الوقائية داخل المنشآت، وتتجسد قيمته في أثره على حماية العاملين والحد من المخاطر المهنية. فالشهادة تعزز الثقة في نظام الإدارة، ويمنحها التطبيق الفاعل أثرًا ملموسًا في سلامة بيئة العمل واستدامة التحسين فيها.
المدير التنفيذي للمركز السعودي للاعتماد.
