الثلاثاء, 18 أغسطس 2026|4 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

يتجه المستثمرون بشكل متزايد إلى تمويل صناع المحتوى على "يوتيوب" مقابل حصة من إيراداتهم الإعلانية

  • اقتصاد صناع المحتوى مرشح للنمو إلى 480 ملياراً بحلول 2027
  • تقلب الخوارزميات والاعتماد على صانع المحتوى والذكاء الاصطناعي أبرز مخاطر الاستثمار في هذا القطاع

الخلاصة

قناة "Only Scrans" على يوتيوب حققت 170 ألف مشترك و16 مليون مشاهدة بدعم من شركة الاستثمار "ناغيت" التي أطلقت صندوقاً بقيمة 5 ملايين جنيه إسترليني لدعم صناع المحتوى البريطانيين. قطاع صناع المحتوى يشهد نمواً كبيراً مع استثمارات ضخمة من شركات مثل "تي بي جي" و"بيتماين"، رغم تحديات التمويل والاستدامة.

افتح قناة "Only Scrans" على "يوتيوب" وستجد عشرات المقاطع التي يظهر فيها مقدّمها، جونو ييتس، وهو يتذوق أطباقاً متنوعة، من الفطائر المعدّة بأسلوب مدينة جلاسكو الاسكتلندية إلى اللحوم المشوية على الطريقة الأمريكية.

صحيح أن شهرته قد لا تضاهي مستر بيست، لكن مقاطع الفيديو التي يوثق فيها تجاربه مع المأكولات خلال رحلاته، نجحت في جذب 170 ألف مشترك، وحصدت نحو 16 مليون مشاهدة.

وبالنسبة إلى شركة الاستثمار "ناغيت" (Nuggit)، التي دعمت "Only Scrans" برأسمال خارجي، وأعلنت أخيراً عن صندوق بقيمة 5 ملايين جنيه إسترليني (6.7 مليون دولار) لدعم صناع المحتوى البريطانيين على "يوتيوب"، فإن ييتس أكثر من مجرد شخص يحمل كاميرا.

فهو ينتمي إلى فئة صاعدة من صناع المحتوى الذين لا يحظون بالاهتمام الكافي من المؤسسات المالية التقليدية التي عادة ما تعتبر الأعمال القائمة على "يوتيوب" أنشطة جانبية متقلبة، لا أصولاً جديرة بالاستثمار في سوق تنمو بقوة، حيث يمكن لجمهور صغير لكنه وفيّا أن يدر دخلاً يضاهي راتب موظف متوسط المستوى.

صناع المحتوى على رادار المستثمرين

يقول جوناثان فريلاند، مؤسس "ناغيت" والمصرفي الاستثماري السابق: "تتركز فرص نمو كبيرة في هذه الطبقة الوسطى من صناع المحتوى، لكنها تفتقر إلى الدعم الفعّال على امتداد كامل نموذج أعمالها".

ولمساعدة هؤلاء الرواد الرقميين على توسيع أعمالهم مع الحفاظ على استقلاليتهم، تقدم شركته مزيجاً من الاستثمار الرأسمالي، يشمل دفعات نقدية مقدّماً مقابل حصة مؤقتة من نسبة الـ55% من إيرادات الإعلانات التي توزعها "يوتيوب"، المملوكة لشركة "ألفابت"، على صناع المحتوى المؤهلين. كما تتيح لهم أدوات وبيانات وتحليلات تساعدهم على تنمية أعمالهم.

فريلاند ليس وحده الذي يضع عينه على الاحتياجات التمويلية لما يُعرف بـ"اقتصاد صناع المحتوى". فهذا القطاع، الذي يشمل منصات مثل "تيك توك" و"إنستجرام"، تتوقع "جولدمان ساكس" أن يقفز حجمه من 250 مليار دولار في 2023 إلى 480 مليار دولار بحلول 2027.

وأخيراً، أعلنت وحدة تابعة لشركة الاستثمار المباشر "تي بي جي" (TPG) عن مشروع مشترك بقيمة 250 مليون دولار مع "كرييتف أرتيستس إيجنسي" (Creative Artists Agency)، للاستثمار في أعمال صناع المحتوى على "يوتيوب".

وفي وقت سابق من هذا العام، حصل مستر بيست على استثمار بقيمة 200 مليون دولار من شركة العملات المشفرة "بيتماين إيميرشن تكنولوجيز" (Bitmine Immersion Technologies)، فيما تتوقع شركة "أدويك" (Adweek) أن تنفق العلامات التجارية الأمريكية ما لا يقل عن 21 مليار دولار على صناع المحتوى هذا العام، أي ما يقارب ضعف إنفاقها في 2022.

من الفيديو إلى صفقات الاستحواذ

لكن صناع المحتوى عموماً لا يزالون يفتقرون إلى الخدمات المصرفية الكافية، إذ أظهر استطلاع أجرته "يوتيوب" في المملكة المتحدة أن 7% فقط منهم قالوا إنهم يحصلون على دعم مالي يلبي احتياجاتهم. لا شك أن الحذر واجب عند التعامل مع "فئة أصول" جديدة يُروَّج لها باعتبارها فرصة الاستثمار الكبرى المقبلة. فقد رأينا من قبل كيف وقعت مجالات استثمارية عُدّت قابلة للتنبؤ، مثل حقوق كتالوجات الموسيقى، ضحية توقعات مبالغ فيها غذّتها موجات الحماس والتفاؤل.

كذلك، لا يرغب المستثمرون في تكرار حمى الاستثمار التي سادت خلال جائحة كورونا، والتي أوقعت شركة "سبوتر" (Spotter)، الداعمة لصناع المحتوى المشاهير، في مأزق. فقد اضطرت الشركة العام الماضي إلى تقليص عدد موظفيها، بعد موجة تمويل اندفعت خلالها وراء النمو بأي ثمن.

مع ذلك، يبدو أن اقتصاد صناع المحتوى بلغ نقطة تحول حقيقية، مع تراجع المظاهر المبالغ فيها والمحتوى المصطنع الذي ارتبط بعالم المؤثرين، في وقت تعمل الجهات التنظيمية على ضبط القطاع. وبات صناع الأفلام على "يوتيوب" يتوسعون إلى إنتاج أفلام طويلة تحقق نجاحاً على شباك التذاكر، إلى جانب إطلاق منتجاتهم الخاصة وتأسيس شركات إعلامية.

يعزز هذا التوسع حاجتهم إلى التمويل. ويقول جيمس كريتش من "كوارترماست أدفايزرز" (Quartermast Advisors) إن 2026 كان العام الأكثر نشاطاً لصفقات الاستحواذ في اقتصاد صناع المحتوى، ومن أبرزها بيع "بروزيبن سات.1 ميديا" (Prosiebensat.1 Media SE) نشاط "ستوديو 71" (Studio71) لصناع المحتوى في الولايات المتحدة إلى "فيكسيتد" (Fixated LLC)، واستحواذ "أوبن إيه آي" على برنامج التكنولوجيا "TBPN" على "يوتيوب".

تحدي تحويل المشاهدات إلى عوائد

أما "يوتيوب"، فمن الواضح أننا لا نزال نتابعها حتى بعد 20 عاماً على إطلاقها. ووفقاً لهيئة تنظيم الاتصالات البريطانية "أوفكوم"، أصبحت المنصة الوجهة الأولى للمشاهدين في المملكة المتحدة بين 16 و24 عاماً، كما يتزايد الإقبال على مشاهدتها عبر شاشات التلفزيون المنزلية، فيما يُنظر إلى محتواها على أنه فريد ومبتكر. وربما يفسر ذلك البيانات التي تشير إلى قدرة صناع المحتوى من الفئة المتوسطة على جذب مزيد من المتابعين هناك.

ورغم استمرار القنوات التقليدية في جذب جماهير واسعة، فإن المعلنين مستعدون للدفع مقابل الوصول إلى شرائح محددة من الجمهور. ويظهر ذلك في نمو إيرادات "يوتيوب" الإعلانية 13% خلال أحدث ربع سنوي، لتصل إلى 11.1 مليار دولار. لكن الصعوبة التي تواجهها المجالات المتخصصة فتكمن في محدودية قدرتها على التوسع، وهو ما يدفع المستثمرين إلى اتباع استراتيجيات مختلفة.

فبعض الصناديق يراهن على شراء عدة قنوات ودمجها، مع توحيد الدعم التقني والإنتاجي. في المقابل، يتجه آخرون إلى الاستثمار في أنشطة تجارية تنبثق عن هذه القنوات، إذ يسهل تقييمها نسبياً بفضل تدفقاتها النقدية الأطول أجلاً مقارنة بمقاطع الفيديو.

فالنجاح الذي يحققه أي مقطع قد يكون قصير الأجل، ويظل رهناً بتقلبات خوارزميات المنصات، وغالباً ما يُقاس عمره بأشهر معدودة. فلا أحد، في طريقه إلى العمل مثلاً، سيدفعه الحنين للعودة لمشاهدة مقطع "فنتون!" من 2011، الذي يظهر فيه مالك غاضب يصرخ محاولاً السيطرة على كلبه في متنزه ريتشموند في لندن، أو مقطع "مقلب كرات البلاستيك المجنونة" (Crazy Plastic Ball Prank) من عام 2015.

رهان النمو من دون خسارة الجاذبية

ويصبح التنويع بذلك عاملاً أساسياً للحد من المخاطر وتعزيز فرص تحقيق العوائد، وفق جاك أوجالفو من "كوبي رايت كابيتال" (Copyright Capital)، في ظل تغيرات المنصات والغموض التنظيمي اللذين يلازمان هذه السوق. يمكن للرأسمال الخارجي أن يحدث فارقاً في المجالات التي تفتقر إليه. ويقول ييتس، مقدم "Only Scrans"، إن التمويل الذي حصل عليه من "ناغيت" ساعده على تحويل هوايته إلى مشروع تجاري، إذ وظف محرراً، وطوّر معداته، وبدأ إنتاج سلاسل فيديو أكثر طموحاً.

لكن الممولين الذين يخطون خطواتهم الأولى في هذا المجال سيحتاجون إلى أخذ عدة عوامل غير معروفة في الحسبان. من بينها مخاطر الاعتماد على شخص واحد: فهل تستطيع قناة مثل "Only Scrans" الاستمرار إذا تورط صانعها في سلوك مسيء أو أصابه الإرهاق؟ وهناك أيضاً الذكاء الاصطناعي، الذي يمكن أن يسرّع إنتاج مقاطع الفيديو ودبلجتها إلى لغات محلية، لكنه قد يتحول في الوقت نفسه إلى منافس لصناع المحتوى البشر على المشاهدات والإيرادات.

وفي ظل تريليونات الدولارات من رؤوس أموال شركات الاستثمار المباشر التي لا تزال تبحث عن فرص لتوظيفها، تتجه عقول استثمارية كثيرة إلى اقتناص فرص النمو في اقتصاد صناع المحتوى. لكن التحدي الأكبر سيكون في ضمان ألا تفقد هذه الصناعة المقومات التي صنعت شعبيتها من الأساس.

كاتب رأي في بلومبرج. متخصص في شؤون الاتحاد الأوروبي وخاصة فرنسا

خاص بـ "الشرق ـ  بلومبرغ"

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية