الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية


ميهير سواروب شارما

@mihirssharma

حظر وسائل التواصل الاجتماعي على المراهقين يحظى بتأييد شعبي، لكن التحدي الأكبر يبدأ بعد إقراره

بدأت المخاوف مع "تيك توك"، لكنها توسعت لتشمل شركات التكنولوجيا الكبرى التي يتزايد التشكيك في نفوذها ودورها

تجربة الهند أظهرت أن حظر التطبيقات لا يمنع المراهقين من الوصول إلى المحتوى بل يسعون للالتفاف على القيود

قد يقود الحظر إلى رقابة أشد وتكلفة اجتماعية غير واضحة

الخلاصة

تعتزم بريطانيا بقيادة كير ستارمر حظر وسائل التواصل الاجتماعي على المراهقين دون 16 عاماً، في خطوة تحظى بتأييد شعبي. الحظر سيكون أوسع من مثيله في دول أخرى، لكنه يواجه تحديات تطبيقية وتحايل المراهقين. تجربة الهند مع حظر "تيك توك" أظهرت تحولات في المشهد الرقمي وتأثيرات غير متوقعة في حرية التعبير والانتماء الاجتماعي.

ابتليت الحكومة البريطانية بقيادة كير ستارمر بقائمة طويلة من المهام، تكاد كلّها تكون غير شعبية، باستثناء حظر وسائل التواصل الاجتماعي على المراهقين الذي يحظى بتأييد واسع في صفوف الرأي العام. حتى أن الارتياح كان واضحاً في نبرة رئيس الوزراء عندما قال إن هذه الخطوة من شأنها أن "تعيد للأطفال طفولتهم".

أسباب كثيرة تدعم الرأي القائل إن وسائل التواصل الاجتماعي تتسبب في تعاسة الأطفال وتعرضهم للمخاطر. لكن إصدار قرار الحظر انطلاقاً من قناعة أخلاقية وأهداف نبيلة هو الجزء السهل. أما التحديات الحقيقية فتظهر لاحقاً، من كيفية تطبيق الحظر إلى التعامل مع آثاره الجانبية، وضبط النفس لمنع تمدد القيود وتوسعها عبر الإنترنت.

من "تيك توك" إلى أزمة ثقة بالمنصات

الحظر الذي تعتزم بريطانيا فرضه والذي يؤكد المسؤولون أنه سيكون أوسع وأكثر صرامة من الإجراءات المشابهة في دول أخرى، مثل أستراليا، ما هو إلا امتداد لنهج الوصاية القائم على ردود الأفعال الذي دفع البلاد سابقاً إلى إقرار حظر تدريجي على التدخين للأجيال الجديدة.

هذا التوجه هو جزء من موجة عالمية تبلورت ملامحها في الهند بادئ الأمر، تنظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها خطراً لا يجوز ترك التعامل معه لقوى السوق أو لإنترنت يفتقر إلى الضوابط. إلا أن الحرص على حماية المواطنين من الأذى ليس الدافع الوحيد.

فتطبيق "تيك توك" مثلاً، حُظر في الهند منذ 2020، وكاد يواجه المصير نفسه في الولايات المتحدة. إذ رأى سياسيون هنود في الحظر وسيلة لمواجهة الصين، حيث يقع مقر الشركة الأم، "بايت دانس" (ByteDance). أما المسؤولون الأمريكيون، فكانوا يخشون جمع بكين للبيانات، وقدرتها على التأثير في جيل كامل ودفعه نحو السخط والنكران.

لكن ما تغيّر هو أن مصدر القلق لم يعد يقتصر على تطبيق محدد تابع لخصم أجنبي بعينه. فقد بات كثيرون في الغرب ينظرون إلى شركات التكنولوجيا الكبرى عموماً على أنها تتدخل بما يتجاوز حدودها وتفتقر للمسؤولية، ويعتقدون أن عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين ليسوا أكثر جدارة بالثقة من بكين عندما يتعلق الأمر بالإشراف على أطفالهم وحمايتهم.

المراهقون يجدون دائماً طرقًا بديلة

لكن الخوف هنا أوسع، وهو ما يقلص فرص نجاح هذه القيود. فربما بالإمكان حظر بعض التطبيقات الصينية، وهو ما نجحت الهند في تحقيقه إلى حد كبير، لكن ضبط وصول كل مراهق إلى الإنترنت مهمة شبه مستحيلة.

فحظر "تيك توك" في الهند لم يمنع الناس من مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة. لقد واصلوا ذلك، وانتقلوا بسرعة وبذكاء، كما يفعل الشباب عادة، إلى تطبيقات أخرى. وكان معظم هذه البدائل منصات أمريكية تمتلك من الموارد والإمكانات ما يجعلها عصية على أي محاولة لفرض الرقابة عليها أو تقييدها.

ومن المرجح أن يُظهر المراهقون البريطانيون دون سن السادسة عشرة القدر نفسه من الابتكار في التحايل على القيود. فقد يهجرون بعض التطبيقات الشهيرة ويتجهون إلى تطبيقات أخرى، أو يلجأون إلى المنتديات ومجالس النقاش الإلكترونية. وسيكتشف كثير منهم أدوات الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) ووسائل التحايل على تحديد الموقع الجغرافي، أو يستخدمون هواتف وحسابات إخوتهم الأكبر سناً.

وسيساندهم في هذا المسعى أطراف على الإنترنت مصرّة، سواء لدوافع خبيثة أو سعياً وراء الربح، على الوصول إليهم، من معلنين وأصحاب أجندات أيديولوجية إلى مستغلين. وللمفارقة، فإن الإشراف على العالم الرقمي للمراهقين وتنظيمه سيزداد صعوبة.

هل يقود الحظر إلى مزيد من الرقابة؟

ما التالي إذاً؟ سرعان ما سيكتشف القائمون على تطبيق هذه القيود في بريطانيا وغيرها من الدول أن الاكتفاء بإجراءات مرنة للتحقق من الأعمار سيترك ثغرات يتمكن بعض الأطفال من استغلالها. وعندما يحدث ذلك، وتعثر صحافة الفضائح الساعية إلى الإثارة، على ما يكفي من الحالات لتصوير الأمر وكأنه أزمة متفشية، سيواجه المنظمون ضغوطاً متزايدة لاتخاذ قرار بشأن تشديد القيود أكثر. 

قد تتجه المملكة المتحدة نحو اعتماد هوية رقمية موحدة تكون مطلوبة للدخول إلى الإنترنت، أو ربما تذهب إلى حد حظر شبكات "VPN". كما قد تُحمَّل المدارس أو أولياء الأمور أو حتى الأشقاء الأكبر سناً المسؤولية إذا تبين أنهم سمحوا للأطفال التحايل على الحظر أو شجعوهم على ذلك صراحة.

هناك أيضاً تكاليف فعلية، قد لا تكون في حسبان صناع السياسات. فعندما حظرت الهند "تيك توك"، لم يقتصر تأثير القرار في التطبيق نفسه، بل أعاد تشكيل اقتصاد صناع المحتوى. فقد أدت خوارزمية "بايت دانس" دوراً مهماً في إبراز المحتوى غير المتوقع والهواة والفئات الأقل نفوذاً، وأصبح شباب عاديون من بلدات هندية صغيرة ومعزولة ومهمشة نجوماً بفضل التطبيق.

لكن بعد حظر "تيك توك"، حلّت منصتا "يوتيوب" و"إنستغرام" محله، لتفسحا المجال أمام مشهد أكثر تقليدية يهيمن عليه المؤثرون المحترفون وأصحاب الإنفاق الكبير. ولم يكن أحد يتوقع هذه النتيجة.

الثمن غير المرئي للحظر

لا نعرف حتى الآن ما الثمن الذي قد تدفعه أجيال كاملة في بريطانيا وغيرها من الدول التي تفرض قيوداً مماثلة، من حيث حرية التعبير عن الذات والانتماء إلى المجتمع. فالأدلة نفسها التي تُظهر قدرة وسائل التواصل الاجتماعي على إلحاق الضرر، تشير أيضاً إلى أن الدعم الاجتماعي الذي يتلقاه الشباب من أقرانهم عبر الإنترنت قد يساعد في التخفيف من الضغوط التي يواجهونها في حياتهم اليومية، وهو ما يكتسب أهمية خاصة لدى الفئات الشابة التي كثيراً ما تتعرض للتهميش، بما في ذلك الأقليات العرقية والإثنية والجندرية.

قد ينجح هذا الحظر في نهاية المطاف. فربما يمضي المراهقون وقتاً أقل أمام هواتفهم ووقتاً أطول في العالم الحقيقي، أو على الأقل يتجنبون التعرض المبكر لبعض أكثر الأفكار والمحتويات تطرفاً وضرراً قبل أن تتشكل لديهم القدرة على التعامل معها بقدر أكبر من الوعي والنقد. لكن في التجربة الهندية على الأقل، حظر "تيك توك" لم يُعِد عقارب الساعة إلى الوراء، بل غيّر ببساطة الطريقة التي يشكّل بها الإنترنت أفكار الناس وسلوكهم.

كاتب عمود في بلومبرغ. وهو زميل أقدم في مؤسسة أوبزرفر للأبحاث في نيودلهي ورئيس برنامج الاقتصاد والنمو التابع لها.

خاص بـ"بلومبرغ"

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية