في 2026، لن تقاس نجاحات السعودية بعدد البراميل المصدرة، بل بعدد الوظائف المستحدثة والشركات الناشئة التي تنمو، والشباب الذين يجدون فرصا حقيقية في وطنهم. كانت تلك الرسالة الحقيقية التي تحملها أرقام ميزانية 2026.
لقد خرجت السعودية لعام 2026 كواحدة من أهم المحطات التنفيذية في مسيرة رؤية 2030 كما عكست تحولا إستراتيجيا يهدف إلى بناء اقتصادٍ مرنٍ ومتنوع يقلل الاعتماد على النفط ويعزز الاستثمار في الإنسان والمكان والمستقبل، ما يجعلها نقطة تحوّل حقيقية وخارطة طريق تنفيذية تُرسخ تحول المملكة نحو اقتصاد قائم على الاستثمار المعرفي والقطاعات غير النفطية.
تبنت الميزانية التي تأتي في خضم المرحلة الحاسمة من تحقيق مستهدفات رؤية 2030، نهجًا جريئًا يتمثل في الإنفاق التوسعي الإستراتيجي، حتى لو تطلب ذلك عجزًا ماليًا محسوبًا ومُدارًا.
فقد بلغ حجم الإنفاق 1.313 تريليون ريال ليعكس التزاما قويا باستكمال المشاريع التنموية الكبرى في إطار المرحلة الثالثة من رؤية 2030، أتى هذا الإنفاق بانخفاض طفيف بنسبة 1.7% عن التقديرات الأولية لعام 2025 لتعزيز الكفاءة وترشيد النفقات الجارية فيما بلغت الإيرادات 1.147 ترليون بعجز بلغ 165 مليارا بنسبة 3.3%. وركزت الميزانية العامة السعودية للسنة المقبلة على إستراتيجية مواصلة الإنفاق طالما كانت العوائد تفوق تكلفة الإقراض، وهو ما يجعل السعودية ستستمر في الإنفاق في خطة تضمن لها عوائد مالية في السنوات المقبلة.
الرهان هنا هو أن العائد التنموي من هذا الإنفاق خاصة على المشاريع العملاقة والبنية التحتية سيتجاوز كلفة الاقتراض اللازم لتمويل العجز. فالحكومة تستخدم الدين كوسيلة لتمكين النمو، ما يضمن أن الاستثمارات الحالية ستُسهم بشكل كبير في تعزيز الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في السنوات المقبلة.
تؤكد الأرقام في الميزانية أن محرك النمو الرئيسي أصبح يتركز بشكل لا رجعة فيه في القطاع غير النفطي الذي من المتوقع أن يحقق نموًا قويًا يتجاوز 5.0%. هذا النمو مدفوع بثلاثة روافد رئيسية:
أولا: قوة الاستثمار الحكومي عبر الإنفاق المباشر والاستثمار غير المباشر من خلال صندوق الاستثمارات العامة وصندوق التنمية الوطني، اللذان يعملان كمحركين رئيسيين لصناعة قطاعات جديدة مثل السياحة، والتقنيات المتقدمة، والصناعات الدفاعية.
وأيضا تعزيز الإيرادات غير النفطية، حيث من المتوقع أن تقترب الإيرادات غير النفطية من النصف الكلي للإيرادات. هذا التوازن المالي الجديد يُقلل من حساسية الميزانية لتقلبات أسواق النفط العالمية ويُعطي المالية العامة مرونة أكبر وقدرة على التخطيط طويل المدى.
وأخيرا تمكين القطاع الخاص بالتركيز على تحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات الأجنبية، ما يضع السعودية في مصاف الدول التنافسية على المستوى العالمي.
لقد تصدرت أولوية الإنفاق على القطاع الصحي والتنمية الاجتماعية حيث خُصص لها 259 مليار ريال بنسبة بلغت 19.7% من حجم الإنفاق ورغم الانخفاض الطفيف بنسبة 3.5% عن العام السابق فقد ركزت على تحسين كفاءة الإنفاق وعلى تطوير المهارات والقدرات، حيث تضمنت تدريب مليوني مستفيد على المهارات الأساسية للإسعافات الأولية لتعزيز دور المجتمع للاستجابة للحالات الطارئة وتمكين أكثر من 108 آلاف من مستفيدي الضمان الاجتماعي لخلق المؤهلات اللازمة لإدارة حالتهم الاجتماعية.
ولم تغفل الميزانية تخصيص اعتمادات كبيرة لتعزيز جودة الحياة والاستثمار في التنمية البشرية والتعليم والإسكان وهي التي تحظى بالأولوية القصوى، إذ تُعد العناصر الأساسية لتمكين القوى العاملة الشابة وتحسين الكفاءة الإنتاجية للمجتمع.
ميزانية 2026 عكست بلا شك مرحلة جديدة من التسارع في تنفيذ الرؤية، مرحلة تتميز بالوضوح في الأهداف وقبول المخاطر المدروسة لتحقيق قفزات نوعية في التنمية من خلال استثمار العوائد النفطية في تأسيس اقتصاد غير نفطي قوي ومرن يرتكز على إستراتيجية الانتقال من اقتصاد تقليدي إلى قوة استثمارية عالمية تقودها الكفاءة والابتكار وخلق الوظائف والفرص وتحسين جودة الحياة.
خبير إستراتيجي في شؤون الطاقة
