ثمانية منتخبات عربية تكتب أكبر حضور في تاريخ كأس العالم، والمغرب يقود المشهد إلى ربع النهائي والسعودية والعراق والأردن يحققون محطات تاريخية لم يسبق أن دخلت كرة القدم العربية نهائيات كأس العالم بهذا الحجم من الطموح كما حدث في نسخة 2026، التي شهدت مشاركة قياسية لـ8 منتخبات عربية للمرة الأولى في تاريخ البطولة، مستفيدة من توسعة كأس العالم إلى 48 منتخباً.
ورغم اختلاف النتائج بين منتخب وآخر، فإن النسخة الحالية سجلت تحولاً مهماً في مكانة الكرة العربية، سواء من حيث عدد المنتخبات المتأهلة أو حجم الحضور الجماهيري، أو القيمة الاقتصادية للمباريات، أو حجم الجوائز المالية التي ضخها الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، وصولاً إلى استمرار منتخب المغرب في كتابة التاريخ العربي والإفريقي ببلوغه الدور ربع النهائي للمرة الثانية توالياً بعد إنجاز مونديال قطر 2022.
لكن قراءة المشاركة العربية من زاوية اقتصادية تكشف عن قصة مختلفة؛ فالمونديال لم يكن مجرد منافسة على اللقب، بل أصبح صناعة عالمية تتجاوز قيمتها عشرات المليارات من الدولارات، وأصبحت كل مباراة تمثل مورداً اقتصادياً للفيفا، وللدول المستضيفة، وللرعاة، ولشركات البث، والسياحة، والطيران، والضيافة.
ولهذا، فإن تقييم المشاركة العربية لا ينبغي أن يقف عند عدد الانتصارات أو الأهداف، بل يمتد إلى ما حققته هذه المنتخبات من عوائد مالية، وتأثير جماهيري، وقيمة تسويقية، وانعكاسات إستراتيجية على مستقبل كرة القدم العربية، ولا سيما مع اقتراب السعودية من استضافة كأس العالم 2034.
كما تعلمون شاركت في هذه البطولة 8 منتخبات عربية من قارتي إفريقيا وآسيا المغرب والجزائر ومصر وتنوس ومن آسيا السعودية وقطر والأردن والعراق وتعد هذه العربية مشاركة غير مسبوقة وتاريخية في هذه البطولات العالمية.
وتكشف قراءة النسخة الحالية عن أن كرة القدم العربية أصبحت تمثل ثقلاً متزايداً داخل منظومة الاتحاد الدولي لكرة القدم، إذ بلغت نسبة المنتخبات العربية نحو 16.7% من إجمالي المنتخبات المشاركة في البطولة، وهي أعلى نسبة في تاريخ كأس العالم.
كما أن هذه المشاركة لم تكن شكلية، إذ تمكنت 4 منتخبات عربية من بلوغ مرحلة خروج المغلوب، بينما واصل المغرب ترسيخ مكانته بوصفه أحد أبرز المنتخبات الصاعدة عالمياً.
وتؤكد هذه المؤشرات أن الكرة العربية انتقلت من مرحلة "المشاركة" إلى مرحلة "المنافسة"، وهو تحول يحمل انعكاسات اقتصادية كبيرة على عقود الرعاية، وحقوق البث، والقيمة السوقية للاعبين، وجاذبية البطولات المحلية للمستثمرين.
لماذا تعد نسخة 2026 مختلفة؟
هناك 4 عوامل رئيسية جعلت هذه النسخة استثنائية بالنسبة إلى العرب:
أولاً: أكبر عدد من المنتخبات العربية في تاريخ البطولة.
ثانياً: أكبر حجم متوقع من الجوائز المالية التي حصلت عليها الاتحادات العربية.
ثالثاً: ارتفاع غير مسبوق في الحضور الجماهيري العربي، سواء من المقيمين في أمريكا الشمالية أو الجماهير القادمة من المنطقة العربية.
رابعاً: تزامن البطولة مع الاستعدادات السعودية لاستضافة كأس العالم 2034، ما منح الأداء العربي بعداً إستراتيجياً يتجاوز حدود المنافسة الرياضية.
الاقتصاد اللاعب الخفي في البطولة
لم تعد مباريات كأس العالم مجرد منافسات كروية، بل أصبحت منتجات اقتصادية متكاملة. فكل مباراة يشارك فيها منتخب عربي تعني: آلاف التذاكر المبيعة. إشغالاً مرتفعاً للفنادق. زيادة في حركة الطيران. إنفاقاً جماهيريا على المطاعم والتجزئة. ارتفاعاً في نسب المشاهدة التلفزيونية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. زيادة في العائدات الإعلانية للمعلنين وشركات البث. ولهذا أصبحت المنتخبات العربية تمثل قيمة اقتصادية متنامية للفيفا والشركاء التجاريين، خاصة في ظل اتساع قاعدة المشجعين العرب التي تتجاوز مئات الملايين داخل المنطقة وخارجها.
قراءة أولية
إذا كان مونديال قطر 2022 قد أثبت قدرة العرب على تنظيم أكبر حدث رياضي في العالم، فإن مونديال 2026 أكد أن المنتخبات العربية أصبحت قادرة أيضاً على المنافسة بصورة أكثر انتظاماً، مع بروز جيل جديد من اللاعبين، وارتفاع القيمة السوقية لعدد من النجوم، وتزايد اهتمام المستثمرين بالأندية والدوريات العربية.
غير أن الفجوة مع القوى الكروية الكبرى ما زالت قائمة، خصوصاً في عمق التشكيلة، وتطوير المواهب، والاستدامة الفنية، وهو ما يجعل النسخة الحالية محطة مهمة ينبغي البناء عليها خلال السنوات الثماني المقبلة، وصولاً إلى كأس العالم 2034 في السعودية.
صحافي في صحيفة الاقتصادية
