الأربعاء, 9 سبتمبر 2026|26 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية


د. نوف البلوي

المعدن الخام قد يغادر دولةً بسعر، ثم يعود إليها بعد المعالجة في بطارية أو مكوّن صناعي بقيمة مضاعفة. هذه الفجوة في القيمة هي التي تدفع بعض الدول المنتجة اليوم إلى إعادة النظر في فكرة تصدير الموارد كما هي، واستخدام القيود التجارية وسيلةً للاحتفاظ بجزء أكبر من الصناعة داخل حدودها.

تشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن انتشار قيود التصدير على المواد الخام الحرجة أصبح نحو 5 أضعاف مستواه في 2009. وخلال الفترة 2022-2024 خضع نحو 16% من تجارتها العالمية لقيد تصديري واحد على الأقل، وتقترب النسبة من 70% في الكوبالت والمنغنيز.

هذه السياسات تنطلق من منطق اقتصادي مفهوم. فالدولة التي تملك احتياطيات كبيرة من النيكل أو الكوبالت لا تريد بالضرورة أن يقتصر نصيبها من المورد على ثمن الخام، بينما تتحقق الأرباح الأكبر في مراحل المعالجة والتصنيع التي تتم في دول أخرى.

لكن هنا تبدأ المشكلة: هل يكفي تقييد تصدير الخام لنقل الصناعة إلى الدولة المنتجة؟

إندونيسيا هي المثال الأبرز. فقد قيدت تصدير خام النيكل بهدف تشجيع المعالجة والتصنيع داخل البلاد. وفي السنوات التالية توسعت المصاهر والصناعات المرتبطة بالنيكل، وارتفعت قيمة صادرات المنتجات المشتقة منه بصورة لافتة.

ومع ذلك، سيكون من المبالغة نسب هذا التحول كله إلى حظر التصدير. فقد تزامنت السياسة مع استثمارات أجنبية كبيرة، وتوسع في الطاقة والبنية الصناعية، ونمو واضح في قدرات المعالجة. كما أن إنشاء المصهر لا يعني بالضرورة أن التقنية والمعرفة والعوائد الأعلى انتقلت بالقدر نفسه إلى الاقتصاد المحلي.

لهذا يصعب اختصار التجربة الإندونيسية في وصفة تقول إن امتلاك المورد ومنع تصديره سيدفع الصناعة تلقائيًا إلى الانتقال إلى البلد المنتج. النتيجة تعتمد كذلك على تكلفة الطاقة، وجودة البنية التحتية، والمهارات، وسهولة الاستثمار، وقدرة الاقتصاد على بناء حلقات أخرى حول الصناعة الجديدة.

وهناك أيضًا حدود قانونية لا يمكن تجاهلها.

عندما طعن الاتحاد الأوروبي في القيود الإندونيسية على النيكل، وجد فريق فض المنازعات في منظمة التجارة العالمية أن حظر تصدير خام النيكل ومتطلبات المعالجة المحلية يتعارضان مع المادة XI:1 من «الجات 1994»، ولم يقبل دفاع إندونيسيا القائم على الاستثناء المتعلق بالنقص الحرج. واستأنفت إندونيسيا التقرير أثناء تعطل جهاز الاستئناف، ولذلك لم ينته النزاع بحكم نهائي معتمد.

هذه القضية توضح أن سيادة الدولة على مواردها الطبيعية لا تمنحها حرية غير محدودة في اختيار الوسائل التي تنظم بها تجارتها الخارجية.

كما أن نوع الأداة مهم قانونيًا. فالحظر والحصص والتراخيص التي تقيد الكميات تدخل ضمن القيود التي تتناولها المادة XI، في حين لا تخضع ضرائب التصدير للحظر العام نفسه، إلا إذا كانت الدولة قد قبلت التزامات خاصة تحد من استخدامها. وقد يكون الهدف الاقتصادي متشابهًا، بينما يختلف الوضع القانوني لكل أداة اختلافًا كبيرًا.

ولذلك لا يكفي أن تسأل الدولة إن كان بوسعها تقييد صادرات معدن معين. الأهم أن تحدد الوسيلة التي تمنحها قيمة اقتصادية أكبر من المورد، من غير أن تزيد مخاطر النزاعات التجارية أو تجعل الاستثمار أقل جاذبية.

وتقدم جمهورية الكونغو الديمقراطية حالة مختلفة. فقد بدأت بحظر مؤقت لصادرات الكوبالت بعد تراجع الأسعار وسط فائض في المعروض، ثم انتقلت إلى نظام للحصص يحد من الكميات المصدرة. التركيز هنا أقرب إلى إدارة المعروض والأسعار منه إلى التجربة الإندونيسية القائمة على دفع المعالجة إلى الداخل، وإن كان النظام يتضمن أيضًا حصة إستراتيجية يمكن توجيهها لمشاريع وطنية.

أما الصين فتستخدم أدوات أخرى. فقد فرضت ضوابط وتراخيص على صادرات عدد من المعادن والعناصر الأرضية النادرة، وتربط هذه الإجراءات رسميًا باعتبارات الأمن القومي والسلع مزدوجة الاستخدام وعدم الانتشار.

تختلف دوافع هذه الدول وأدواتها، لكن ما يجمع بينها هو أن المادة الخام لم تعد مجرد سلعة تباع في السوق. أصبحت القدرة على التحكم في تدفقها مصدرًا للنفوذ الاقتصادي. لكن لهذا النفوذ حدودًا أيضًا.

عندما يعتقد المستورد أن الوصول إلى معدن أساسي قد يصبح رهين قرار سياسي أو تجاري، يبدأ في البحث عن بدائل. وقد يكون البديل موردًا جديدًا، أو استثمارًا أكبر في إعادة التدوير، أو تطوير تقنية تحتاج إلى كمية أقل من المعدن، أو الاستعاضة عنه بمادة أخرى متى كان ذلك ممكنًا.

وهكذا قد تمنح القيود الدولة المنتجة قوة إضافية في المدى القريب، وفي الوقت نفسه تدفع المشترين إلى اتخاذ قرارات تقلل اعتمادهم عليها في المستقبل. من هنا تبدو السياسة الصناعية الأكثر متانة هي التي تجعل معالجة المعدن وتصنيعه داخل الدولة مجديين اقتصاديًا حتى في غياب الحظر. فالمستثمر الذي يأتي بسبب توفر الطاقة والبنية التحتية والمهارات وسلاسل الموردين والاستقرار التنظيمي يختلف عن مستثمر جاء لأنه لا يستطيع الوصول إلى الخام بطريقة أخرى.

الندرة تمنح صاحب المورد نفوذًا، لكنها قد تتغير. فقد تظهر اكتشافات جديدة، أو تتطور تقنيات مختلفة، أو تتنوع مصادر الإمداد. أما القدرة الصناعية التي تراكم المعرفة والمهارات والموردين والتقنية، فهي أصعب في الاستبدال، وهنا يكمن التحدي في سباق المعادن الحرجة. من حق الدول المنتجة أن تسعى إلى حصة أكبر من القيمة التي تخلقها مواردها، لكن تحقيق ذلك لا يتوقف على كمية الخام التي تستطيع إبقاءها داخل حدودها.

السؤال الأهم هو: هل تستطيع تحويل هذه الثروة إلى صناعة قادرة على المنافسة، من دون أن تجعل التحكم في المورد نفسه سببًا يدفع السوق إلى البحث عن بديل؟

امتلاك المعدن يمنح الدولة قوة تفاوضية، أما تحويله إلى صناعة تنافسية فيجعل هذه القوة أكثر استدامة.

مستشارة في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية