يتحرك مؤشر "تاسي" منذ أشهر في نطاق ضيق، وسجّل في جلسات من ديسمبر الماضي ومطلع العام الجاري أدنى قيم تداول يومية منذ نحو سبع سنوات. يُحال ذلك عادة إلى تقلب أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية، وهي عوامل حقيقية. لكن ثمة عاملاً هيكلياً أقل حضوراً في النقاش وهو طفرة التمويل العقاري التي رافقت برنامج الإسكان.
لا جدال في نجاح برنامج الإسكان، فقد ارتفعت نسبة تملك الأسر السعودية من 47% في 2016 إلى 66.24% في 2025، متجاوزة مستهدفاتها المرحلية قبل موعدها. غير أن هذا التقدم اعتمد على أداة واحدة تقريباً هي تمويل الطلب، وتركّز في فترة قصيرة. ففي 2020 وحده بلغ التمويل السكني الجديد للأفراد 140.7 مليار ريال، أي ما يعادل مجموع السنوات الأربع السابقة، بحسب بيانات البنك المركزي السعودي. وارتفع رصيد القروض العقارية من المصارف من 428.4 مليار ريال بنهاية 2020 إلى 951.3 مليار بنهاية 2025. ولأن الدعم وُجّه إلى الطلب في سوق عقارية كان جزء كبير من أراضيها خارج دائرة العرض، تحوّل جزء من هذا الدعم إلى أسعار، حتى جاءت توجيهات ولي العهد في 2025 لتصحيح الوضع من جانب العرض، خاصةً في الرياض.
المشكلة ليست في جودة هذه القروض، فنسبة التعثر في البنوك السعودية لم تتجاوز 1% بنهاية 2025، بل في آجالها. فالقروض العقارية أصول طويلة الأجل، بينما تعتمد البنوك جزئياً على مصادر تمويل أقصر أجلاً. وقد رصد صندوق النقد الدولي أثر نمو الرهن العقاري وطول آجال الائتمان في الاتجاه الهابط لنسبة التمويل المستقر لدى البنوك.
كيف يصل هذا الأثر إلى سوق الأسهم؟ القرض العقاري لا يُخرج المال من النظام المصرفي، فثمن المسكن يعود وديعةً في حساب البائع. لكن تركيبة الودائع تغيّرت، إذ تراجعت الودائع تحت الطلب إلى 49% من الإجمالي بعد أن كانت 66% في 2020، واتجهت البنوك إلى الودائع الزمنية والصكوك بعوائد تتجاوز 6%. وحين تعرض البنوك هذه العوائد، تصبح الوديعة منافساً مباشراً للأسهم. لا يعني ذلك أن التمويل العقاري السبب الوحيد لفتور السوق، لكنه عامل هيكلي يُضعف قدرتها على الارتداد حين تهدأ الصدمات الخارجية.
وما يزيد السوق فتوراً أن قناة التدوير ما زالت ضيقة، فما أعادت الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري تمويله من محافظ القروض العقارية خلال 2025 لم يتجاوز 16 مليار ريال، أي نحو 1.7% من الرصيد القائم، وجاء معظمه في صورة شراء محافظ لا توريق بالمعنى الدقيق. لذلك لا بد من مواءمة أهداف الشركة مع مستهدفات الإسكان في رؤية 2030، وضمان تكامل الأدوار بين برامج الإسكان والقطاع المصرفي وسوق رأس المال.
تفصلنا عن مستهدف 70% في 2030 أربع نقاط مئوية فقط، وهذا هامش يسمح بالتدرج. والسؤال لم يعد هل نصل، بل بأي كلفة على النظام المالي. وأقترح أربعة مسارات بوصفها حلولاً هيكلية:
أولها، تحويل المستهدف السنوي لتملك المساكن من حد أدنى إلى سقف سنوي يُضبط الدعم للوصول إليه، في حدود نقطة مئوية سنوياً حتى 2030. ولأن هامش الربح مدعوم أصلاً من صندوق التنمية العقارية، توجد أداة لضبط وتيرة بلوغ المستهدفات دون المساس بتسعير البنوك، عبر مؤشر أولوية يجمع العمر وعدد المعالين ومدة الانتظار والقدرة على السداد.
ثانيها، ربط حجم الدعم في كل مدينة بعدد الوحدات الجديدة المكتملة فيها، لا بعدد الطلبات المسجلة، حتى يتحول الدعم إلى مساكن لا إلى أسعار. فالمعيار الحاسم هنا حجم المعروض لا حجم الطلب.
ثالثها، مسار ادخاري للأسر التي يتأجل دورها، بعائد تحفيزي يمكن تخفيف جزء من كلفته بإعفاء ودائع هذا الحساب من الاحتياطي النظامي لدى البنك المركزي. والأجدى أن يمتد هذا الإعفاء الانتقائي إلى الودائع التي يتجاوز أجلها سنتين، فذلك يعالج فجوة الآجال مباشرة، وهو بديل أفضل من الخفض العام للاحتياطي الذي يحرر السيولة لمرة واحدة وقد يعيد تغذية الائتمان العقاري نفسه. كما يبني هذا المسار دفعات أولى أعلى، ويخفف ضغط الانتظار على سوق الإيجار.
رابعها، استكمال سوق التوريق بمعناه الدقيق، أي تحويل المحافظ إلى أوراق مالية يشتريها مستثمرون نهائيون. ومسودة تداول لتمكين الكيانات ذات الغرض الخاص من الإصدار خطوة مهمة، لكنها تحتاج حلاً شرعياً معيارياً لمحافظ المرابحة، وقاعدة مستثمرين من خارج القطاع المصرفي، فشراء البنوك أوراق بعضها بعضاً ينقل السيولة ولا يحررها. ويمكن ربط تخفيف الاحتياطي بما يبيعه كل بنك فعلاً من محافظ، مع احتفاظ البنك المُنشئ بجزء من المخاطر حتى لا يتكرر تساهل ما قبل 2008. وينبغي أن يكون لهذا الملف مستهدف سنوي معلن يُتابع كأي مؤشر من مؤشرات الرؤية.
لا تخلو هذه المسارات من كلفة، فالتدرج قد يؤخر تملك بعض الأسر، والعائد التحفيزي قد يشكّل عبئاً على المالية العامة وإن خُفّف جزء منه. لكنها كلفة معلومة يمكن ضبطها، مقارنة بكلفة تركّز التمويل مجدداً في فترة قصيرة على نظام مالي يموّل في الوقت نفسه دورة المشاريع الكبرى.
حققت طفرة التمويل العقاري مكسباً اجتماعياً كبيراً دون أن تُضعف جودة أصول البنوك، لكنها غيّرت تركيبة تمويلها ورفعت تكلفته. والنقاط المئوية الأربع المتبقية حتى 2030 فرصة لإثبات أن بلوغ المستهدف ممكن بإيقاع متدرج، وبدعم مشروط بالعرض، وبسوق ثانوية تسرّع تدوير الائتمان بدل انتظار استرداده تدريجياً عبر أقساط تمتد نحو عقدين. فالجدير بالتطوير والتبني في المرحلة المقبلة أن يرافق مستهدفَ التملك مستهدفان موازيان، أحدهما لنمو المعروض والآخر لتدوير التمويل، حتى يُستكمل الإنجاز بكلفة أقل على القطاع المصرفي وسوق الأسهم.
باحث في المالية والاقتصاد

