الاثنين, 19 أكتوبر 2026|7 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية


د. عوض عسيري

باحث في المالية والاقتصاد

أنهى مؤشر السوق السعودية "تاسي" عام 2025 متراجعاً بنسبة 12.84%، فيما انخفضت قيمة الأسهم المتداولة بنحو 30% إلى 1.3 تريليون ريال. وتعيد هذه الأرقام طرح سؤال يتجاوز أداء المؤشر: هل تحتاج السوق إلى مزيد من الطروحات فحسب، أم إلى شركات تمنح المستثمر خيارات أوسع للنمو الرأسمالي طويل الأجل؟

فالسوق غنية بشركات ناضجة تُقدّم دخلاً مستقراً ونمواً معتدلاً، لكنها بحاجة إلى مزيد من الشركات الكبرى التي تنمو بأرقام مزدوجة وتعلن صراحة احتجاز أرباحها لتمويل هذا النمو. فالمستثمر الذي يبحث عن مكاسب رأسمالية طويلة الأجل، وليس فقط عن توزيعات دورية، يجد خياراته المحلية محدودة.

 ولنأخذ قطاع التقنية مثالاً، ففي أواخر 2023 كان يضم في السوق الرئيسية 5 شركات فقط بقيمة تجاوزت 106 مليارات ريال، تستحوذ شركتان منها على نحو 92% من هذه القيمة، إحداهما شركة أدرجها صندوق الاستثمارات العامة.

وفي سوق ترتبط أرباح عدد من قطاعاتها الرئيسية بالدورة الاقتصادية للنفط، فإن زيادة شركات النمو في القطاعات غير النفطية تُشكل مدخلاً رئيساً لتنويع المحافظ الاستثمارية. ولعل هذا يفسّر جزءاً من تحوّل لافت في حصة السوق الأمريكية من تداولات السعوديين عبر مؤسسات السوق المالية التي بلغت نحو 28% في الربع الأول من 2026، بعد أن كانت 18% قبل عام.

وهنا يأتي دور  صندوق الاستثمارات العامة وهو يمثل اللاعب الأكبر في السوق السعودية. فقد أعلن في إستراتيجيته للفترة 2026–2030 أن أولويته تنتقل من التوسع وبناء الأصول إلى تعظيم قيمتها ورفع كفاءة رأس المال، وأن آليات تمويل شركات محفظته ستتجه إلى مزيج أكثر تنوعاً كلما نضجت. هذه العبارة هي الجوهر بالنسبة لسوق الأسهم، فالإدراج أوضح صور ذلك التنويع، وشركات المحفظة غير المدرجة تمثل أكبر مخزون لأسهم النمو في الاقتصاد السعودي.

وهذا النموذج ليس افتراضياً، بل جُرّب داخل السوق نفسه. شركة "علم"، التي أدرجها الصندوق في 2022 واحتفظ بثلثيها، نمت إيراداتها بنسبة 27.8% في 2025، ووزعت نحو ثلث أرباحها فقط واحتجزت الباقي للتوسع.وشركة "أكوا باور"، التي احتفظ الصندوق عند إدراجها بنحو 44% منها، رفعت رأسمالها بـ 7.1 مليار ريال عبر حقوق الأولوية لتمويل خطة مضاعفة أصولها المدارة 3 مرات بحلول 2030، ثم اعتمدت سياسة توزيع للأعوام 2026–2030 بحد أدنى 30% من صافي الربح تمزج بين النقد وأسهم المنحة.

هاتان شركتان تتصرفان كشركات نمو، تحتجزان وتعيدان الاستثمار وتخبران المستثمر مسبقاً كيف توازنان بين دخله اليوم وقيمة شركته غداً. ويتسق ذلك مع أداء سهميهما، فسهم "علم" تضاعف نحو 4 مرات ونصف منذ طرحه بسعر 128 ريالاً، وسهم "أكوا باور" نحو 3 مرات منذ طرحه بسعر 56 ريالاً رغم تقلباته الحادة، وهي أرقام تاريخية لا تعني بالضرورة استمرار هذا الأداء، ولا أن الاحتجاز وحده صنعه.

ولهذا النموذج مثال عالمي أيضاً. ففي سنغافورة أدرجت شركة "تيماسك" السيادية عدداً من كبرى شركات محفظتها في البورصة المحلية مع الاحتفاظ بحصص مؤثرة فيها، فصارت تلك الشركات من أعمدة السوق وأدوات الادخار طويل الأجل للمواطنين. والدرس هنا أن الصندوق السيادي يستطيع أن يكون مالكاً ومُعمِّقاً للسوق في آن واحد.

وهنا يكمن جزء من حل ضعف السيولة. ففي السوق الأمريكية تفرض الضريبة على التوزيعات في عامها، أما المكسب الرأسمالي فلا تفرض عليه الضريبة إلا عند البيع، فتصبح كلفة البقاء في السوق أقل من كلفة الخروج منها، ويميل المستثمر إلى ترك أمواله في الشركة. أما سوقنا فبلا ضريبة على التوزيع ولا على المكسب، فلا شيء فيها يكافئ البقاء. والبديل هنا ليس الضريبة، بل الوعي والأدوات.

فالمستثمر الذي يشتري عقاراً لتأجيره لا يحسب عائده بالإيجار وحده، بل بارتفاع قيمة العقار أيضاً، والمطلوب أن يقرأ السهم بالمنطق نفسه. ويستطيع الصندوق أن يرسّخ ذلك عملياً من خلال شركات تقدّم نموذجاً معلناً يكافئ الاحتجاز والنمو، وببرامج لإعادة استثمار التوزيعات تلقائياً في أسهم الشركة نفسها، فيبقى العائد داخل السوق ويتراكم بدل أن يُصرف أو يخرج منها.

إن المطلوب ليس إيجاد نموذج جديد، بل تعميم نموذج قائم وتنظيم توقيته عبر 3 مسارات:

الأول: تسلسل الإدراج بحسب عمق السوق: ربط توقيت الطروحات بمؤشرات معلنة لعمق السوق (كقيم التداول وحجم الطلب المؤسسي) تجنباً لسحب السيولة من الأسهم القائمة، خصوصاً مع وجود نحو 45 طلب طرح قائم لدى الهيئة بنهاية 2025. وأيضاً تجنّب الطرح في مواسم ضعف السيولة.

الثاني: الإفصاح المسبق عن سياسة التوزيع وخطة إعادة الاستثمار: تضمين نشرات الإصدار خطة إستراتيجية تمتد من 3 إلى 5 سنوات تبيّن نسبة الأرباح المحتجزة ومجالات استثمارها. وهو إفصاح استرشادي لا يمس استقلالية مجالس الإدارة، لكنه يمنح المستثمر وضوحاً منذ اليوم الأول، فيقلّ عدم اليقين، وتصبح الشركة أقدر على منافسة البدائل الاستثمارية الأخرى.

الثالث: التزام الصندوق كمستثمر رئيسي: بقاء المالك الأكبر بحصة مؤثرة وفترة حظر بيع أطول يعطي إشارة ثقة تقرؤها السوق بسرعة.

قد يُقال إن السوق بعد تراجعات 2025 لا تحتمل مزيداً من الطروحات، لا سيما أن 10 من 13 شركة أُدرجت في 2025 كانت تتداول دون سعر الاكتتاب بحلول يناير 2026، وهذا اعتراض وجيه، ولذا لا بدّ من التركيز على التدرج والجودة لا الكمية، وهو ما يتماشى مع جهود هيئة السوق المالية في مراجعة آليات التسعير والتخصيص. المستثمر الذي يجد في سوقه أسهم النمو التي تغريه وتحقق أهدافه لا يضطر إلى البحث عنها خارجها. وكلفة ذلك على الصندوق إدراج متدرّج وإفصاح أوسع، وعائده سوق أعمق وسيولة تبقى في الاقتصاد الوطني.

باحث  في المالية والاقتصاد

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية