أحمد الشهري
لسنوات طويلة، اعتمدت دول عديدة على الدعم السعري بوصفه أداة لتخفيف أعباء المعيشة وتحسين رفاهية المواطنين، غير أن هذا النموذج ورغم جاذبيته الاجتماعية، كشف مع مرور الوقت عن تحديات اقتصادية جوهرية تمثلت في تشويه الأسعار وإعاقة الكفاءة الاقتصادية، وتشجيع الاستهلاك المفرط، واستنزاف الموارد، فضلاً عن توجيه جزء كبير من الدعم إلى فئات ليست الأكثر حاجة إليه، وفي المقابل، برزت سياسات التحويلات النقدية المباشرة كبديل أكثر كفاءة وعدالة، مدعوم بأدبيات اقتصادية وتجارب دولية متنامية.
يُعد دعم أسعار المياه والكهرباء من أكثر أدوات السياسة الاقتصادية انتشاراً، خاصة في الدول الغنية بالموارد والطاقة، حيث تقوم فلسفته على توفير حماية شاملة للمواطنين والأجانب عبر تخفيض أسعار الخدمات الأساسية، غير أن هذه المقاربة تصطدم بمبادئ اقتصاد الرفاهية؛ إذ يؤدي السعر المنخفض إلى استهلاك يتجاوز المستويات الأمثل اقتصادياً، بينما تتحمل الدولة تكلفة الفرص البديلة للموارد المدعومة التي كان يمكن توجيهها إلى استخدامات أكثر إنتاجية أو قيمة اقتصادية أعلى.
ويظهر هنا مفارقة اقتصادية واجتماعية مهمة تتعلق بالعدالة، الدعم السعري يوزع منافعه وفق حجم الاستهلاك لا وفق درجة الحاجة؛ لذلك تستفيد الأسر الأعلى دخلاً من نصيب أكبر من الدعم نتيجة امتلاكها لمساكن أكبر وأجهزة أكثر واستهلاك أعلى للمياه والكهرباء، وبذلك تتحول سياسة يفترض أن تستهدف دعم محدودي الدخل إلى آلية يستفيد منها الجميع، بل وقد تحصل الفئات الأكثر ثراءً على الحصة الكبرى من منافعها بسبب حجم مساكنهم وأنماط استهلاكهم الكبير.
كما أن عبء الدعم السعري يتوسع تلقائياً مع النمو السكاني والعمراني وارتفاع مستويات الاستهلاك، وقد تمتد منافعه إلى فئات غير مستهدفة مثل الزوار والمقيمين ومشاريع الشركات الكبرى الدولية التي تستهلك الطاقة بشكل مؤقت ثم تغادر، ما يزيد الضغوط على المالية العامة ويقلل كفاءة تخصيص الموارد الحكومية.
وفي المقابل، تقوم سياسات الدعم النقدي المباشر للمواطنين على فلسفة مختلفة من خلال الفصل بين حماية الدخل وسياسة تسعير الموارد، بدلاً من خفض الأسعار للجميع، توجه الدعم مباشرة إلى الأسر والفئات المستحقة، بينما تعكس الأسعار التكلفة الحقيقية للخدمات، وبهذه الطريقة الاقتصادية يتحقق هدفان في آن واحد، حماية الفئات المستحقة والحفاظ على الإشارات السعرية التي تشجع على ترشيد الاستهلاك وتحسين كفاءة استخدام الموارد، كما أنها سياسة تعزز شهية المستثمرين مستقبلا للدخول وتحقيق المنافسة وتقديم التمويل للجهات الخدمية لتطوير خدماتها وفق قواعد السوق.
وقد أثبتت التجربة السعودية إمكانية تجاوز التحديات المرتبطة بهذا النوع من التحولات، إذ أسهمت الإصلاحات المتدرجة والمقترنة بالتحويلات النقدية مثل حساب المواطن في الحفاظ على استقرار الأسعار عند مستويات منخفضة لا تتجاوز 2%، كما مكن التطور التقني للبيانات من رفع دقة الاستهداف، ما ضمن وصول الدعم النقدي بكفاءة للمواطنين.
وفي الختام: لا يكمن الفرق بين النموذجين في طريقة صرف الدعم فحسب، وإنما في الفلسفة الاقتصادية التي يقوم عليها كل منهما، الدعم السعري يدعم ما يُستهلك، بينما الدعم النقدي يدعم من يحتاج، ومن هنا أصبح التحول من دعم الأسعار إلى حماية دخل المواطن، لأنه نموذج يجمع بين العدالة الاجتماعية وكفاءة استخدام الموارد ويمنح الاقتصاد مساحة حقيقية للنمو المستدام والكفء.
اقتصادي في السياسات الاقتصادية وإدارة إستراتيجيات الأعمال والشراكات الإستراتيجية.
