د. مسفر الجار الله
قبل نحو 100 عام، كانت المملكة العربية السعودية في بدايات تأسيسها، وكانت الدولة الفتية تواجه كثيرًا من التحديات بعد حروب التأسيس والحرب العالمية الأولى، وعلى أبواب الكساد العظيم الذي أصاب العالم بالشلل في ذلك الوقت. وكان الملك المؤسس -رحمه الله- قد أكمل مهمته العظيمة في لم شتات هذا البلد المترامي الأطراف بأقاليمه وقبائله وجغرافيته الواسعة، فيما يعد واحدة من معجزات القرن الـ20.
كان الملك عبد العزيز ينظر إلى المستقبل بعين ثاقبة ويقين راسخ، وكان كل ما يشغل باله هو الاستقرار والتنمية. لكن المهمة لم تكن سهلة؛ فالدولة في بداياتها كانت تمتد على مساحة شاسعة يغلب عليها الطابع الصحراوي، بموارد محدودة، ومدن وقرى متباعدة، وبنية تحتية وطرق ومواصلات لا تزال في بداياتها. وكانت الموارد الاقتصادية المتاحة قليلة، فيما كانت الدولة بحاجة إلى بناء مقوماتها الأساسية من الصفر تقريبًا.
ومن أهم الموارد التي اهتم بها الملك عبدالعزيز في بدايات الدولة الماء؛ فهو من ضروريات الحياة وعماد الاستقرار والتنمية. وضمن الجهود التي قادها الملك عبدالعزيز، وصل إلى السعودية في 1931 مهندسا أمريكيا متخصصا في التعدين يدعى كارل تويتشل. وبدأ هذا المهندس رحلة امتدت نحو 18 شهرًا، في واحدة من أولى المهام لدراسة جيولوجيا السعودية ومواردها الطبيعية، جاب خلالها مناطق واسعة من البلاد.
وكانت المهمة بالغة الصعوبة في ظل غياب الخرائط الجغرافية والجيولوجية الحديثة، وعدم وجود التقنيات التي نملكها اليوم. وكان هدف تويتشل الرئيس هو البحث عن الماء، لكنه وجد نفسه أمام قصة أكبر بكثير مما توقع. وفي غرب السعودية وصل إلى منطقة لم يكن اكتشاف الذهب فيها حديثًا، بل كانت الحفر والصخور ومخلفات التعدين القديمة تشير إلى قصة تمتد لآلاف السنين. هذه المنطقة هي مهد الذهب، التي تشير الدراسات إلى أن بعض فترات التعدين فيها تعود إلى نحو 950 قبل الميلاد، ثم عاد التعدين إليها في فترات مختلفة من العصر الإسلامي.
لكن المهندس تويتشل لم ينظر إلى آثار التعدين القديم باعتبارها دليلًا على أن المنطقة قد خلت من الذهب، بل كان أمام سؤال وجيه: إذا استطاع القدماء استخراج الذهب بأدواتهم البسيطة، فكم بقي منه في أعماق الأرض التي لم يستطيعوا الوصول إليها؟ وبالفعل، لم تلفظ مهد الذهب آخر كنوزها، بل كان لديها المزيد لتعطيه لإنسان هذه الأرض المباركة. فعاد الإنتاج إليها في عام 1939، وبين ذلك العام وعام 1954 أنتج المنجم نحو 766 ألف أوقية من الذهب وأكثر من مليون أونصة من الفضة.
ومن المفارقات أن قصة اقتصادية أكبر كانت تُكتب في الوقت نفسه على رمال الطرف الشرقي من السعودية. ففي 1938 تدفق النفط تجاريًا من بئر الدمام رقم 7، ليبدأ فصل غيّر اقتصاد المملكة ورسخ مكانتها المستحقة بين الأمم. واليوم، وبعد قرابة قرن، ربما يستحق السؤال الذي طرحته رحلة تويتشل أن نطرحه من جديد، ولكن بصورة أوسع: ماذا تخبئ أرض السعودية أيضًا؟
والإجابة عن هذا السؤال بدأت تتضح خلال السنوات الأخيرة بصورة متسارعة ومذهلة، خصوصًا بعد تركيز رؤية السعودية 2030 على هذا القطاع الحيوي. فتقديرات الثروة المعدنية في المملكة وصلت إلى نحو 9.4 تريليون ريال. والمثير حقًا ليس حجم هذه الثروة فحسب، بل تنوعها وانتشارها الجغرافي؛ فهي تشمل الذهب والنحاس والفوسفات والزنك والفضة واليورانيوم وغيرها من المعادن.
ونحن لا نتحدث اليوم عن دراسات استكشافية أو تقديرات جيولوجية على الورق فقط، بل عن نشاط تعديني يتوسع على أرض الواقع. ففي 2025 وحده أُصدرت 736 رخصة تعدينية جديدة، ووصل عدد الرخص السارية بنهاية ذلك العام إلى 2,925 رخصة، فيما بلغت استثمارات القطاع نحو 189 مليار ريال.
وهناك سؤال لا يقل أهمية يجب أن نسأله: لماذا كل هذا الاهتمام بالتعدين الآن؟
والجواب بكل بساطة أن متطلبات العالم من المعادن تزداد باستمرار. فالتحول نحو أنظمة طاقة أكثر استدامة، الذي يتحدث عنه الجميع اليوم، لا يحتاج إلى النفط والغاز والكهرباء فحسب، بل يحتاج أيضًا إلى كميات هائلة من المعادن التي تدخل في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية والألواح الشمسية وتوربينات الرياح. بل إن الشبكات الكهربائية التي ستربط كل هذه المصادر تحتاج إلى كميات كبيرة من النحاس والألمنيوم. وحتى مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي لا تقوم إلا على بنية تحتية كهربائية ومعدنية هائلة.
ولذلك لا أرى أن الفرصة السعودية تتوقف عند استخراج هذه المعادن وبيعها خامًا، تمامًا كما أن القيمة الاقتصادية للنفط لا تتوقف عند إخراج البرميل من البئر. فالقيمة الحقيقية تبدأ من بناء سلسلة اقتصادية متكاملة حول هذا القطاع المهم، تبدأ بالاستكشاف والتعدين، ثم المعالجة والصهر والتكرير، ثم التصنيع، وصولًا إلى المنتجات النهائية التي تدخل في السيارات والكابلات والبطاريات والصناعات المتقدمة. فكل مرحلة نضيفها داخل المملكة تعني نقل معرفة، ووظائف أكثر تخصصًا، وصناعات جديدة، وقيمة مضافة أعلى.
ولعل أبرز التطورات في هذا الجانب أخيراما أعلنته أرامكو ومعادن عن تأسيس مشروع مشترك للاستكشاف والتعدين على مساحة تمتد إلى نحو 182 ألف كيلومتر مربع، أي نحو 10% من مساحة السعودية، مع التركيز على النحاس ومعادن أخرى مرتبطة بمشاريع استدامة الطاقة.
ولعل ما يصنع الفرق هنا هو خبرة أرامكو الهائلة الممتدة لأكثر من 90 عامًا في عمليات الاستكشاف والحفر، وما تراكم لديها من بيانات جيولوجية وجيوفيزيائية من جانب، وما نملكه اليوم من تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة من جانب آخر. ولذلك فإن المعرفة المتراكمة التي ساعدت السعودية على بناء أحد أكبر قطاعات الطاقة في العالم قد تساعدها اليوم في بناء واحد من أهم قطاعات التعدين عالميًا.
ولعل إعلان وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية الأمير عبدالعزيز بن سلمان أخيرا عن نتائج استكشافية تشير إلى نحو 110 ملايين طن من الخام في منطقة المدينة المنورة، تتضمن تركيزات واعدة من اليورانيوم ومعادن أخرى، يعطينا لمحة عما قد تحمله السنوات المقبلة من تطور في هذا القطاع. فالرقم بحد ذاته يظهر حجم العمل الاستكشافي الذي يجري اليوم واتساع الإمكانات الجيولوجية للسعودية.
لكن الفرصة الكبرى والتحدي الحقيقي لا يكمنان فقط في حجم ما نكتشفه تحت الأرض، بل في كم من هذه الثروة نستطيع تحويله إلى قيمة فوق الأرض؟ وهنا يأتي دور المعرفة والتقنية والموارد البشرية ورأس المال والصناعة، فهي التي ستحول الموارد المعدنية من خامات في باطن الأرض إلى ثروة اقتصادية حقيقية ومستدامة.
ولعلنا نعود في النهاية إلى قصة كارل تويتشل. فعندما جاب صحاري السعودية قبل نحو قرن، لم تكن لديه أقمار صناعية، ولا خرائط جيولوجية حديثة، ولا مسوحات جيوفيزيائية متقدمة، ولا حواسيب عملاقة، وبالتأكيد لم تكن لديه أدوات الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، قادته رحلته إلى الذهب في الغرب، بينما كانت قصة النفط تبدأ في الشرق.
أما اليوم، فنحن نعود إلى الأرض نفسها، ولكن بأدوات لم يكن من الممكن لتويتشل أن يتخيلها، وببيانات تراكمت على مدى عقود، ورأسمال وخبرات وبنية تحتية وصناعة تعدينية تتوسع عامًا بعد عام. ولذلك ربما حان الوقت لنتجاوز السؤال الذي بدأنا به هذا المقال: ماذا تخبئ أرض السعودية؟ إلى السؤال الأهم :ماذا سنصنع بكل ما تخبئه؟
أكاديمي وباحث في شؤون الطاقة
