المخالفة لا تثبت بمجرد رصدها، والمعلومة لا تتحول بذاتها إلى دليل. فلائحة التفتيش عرّفت التفتيش بأنه "عملية التحقق" من استيفاء الاشتراطات وضوابطها، وضبط المخالفة والتحقيق فيها، سواء بالزيارة الميدانية أو المكتبية عن بُعد؛ فالعثور على واقعة محتملة ليس نهاية عمل المفتش، بل بداية التحقق الذي يسبق الإثبات.
واختلاف وسيلة التفتيش لا يغيّر متطلباته؛ فالزيارة المكتبية عن بُعد، شأنها شأن الميدانية، تخضع لمتطلبات التحقق ذاتها.
وهذا ليس استنتاجًا من طبيعة التفتيش، بل التزام نصّت عليه اللائحة صراحة. فالمادة الـ13 أوجبت، عند تبيّن المخالفة، إثباتها في تقرير الزيارة وإرفاق الأدلة ذات الصلة بها. ثم أوجبت المادة الـ14، قبل رفعه لاعتماده، أن يتحقق المفتش من صحة ما ورد فيه، ويتحرّى الدقة في مهماته، ويستند فيما يتم ضبطه إلى "ما يتحقق به بنفسه". وعليه، فالمسألة ليست في مشروعية التفتيش المكتبي عن بُعد، وإنما في الكيفية التي تنتقل بها المعلومة من احتمال إلى مخالفة ثابتة.
وتكشف بعض النماذج المستخدمة عمليًا عن أهمية هذا الفارق؛ إذ يحمل تقرير الزيارة نفسه، في خانة النوع، وصف "زيارة رصد وجمع المعلومات"، وفي خانة أخرى سؤالًا عن "احتمال وجود مخالفة لممارسة النشاط". فإذا كان التقرير يصف الزيارة بأنها رصد، ويسأل عن احتمال وجود مخالفة، فكيف يصبح أساسًا لإثباتها؟ فالرصد يستدعي التحقق، أما المخالفة فتفترض اكتماله.
وتؤكد اللائحة ذلك في تنظيمها للتقييم الخفي؛ إذ نصت المادة الـ18صراحة على ألا يكون له أثر مباشر على المرفق السياحي، فإذا أظهر تدنيًا في مستوى الخدمة أو عدم التزام بالنظام ولوائحه، كُلّف مفتش السياحة بالتفتيش على المرفق محل التقرير. فإذا كان المنظِّم قد قرر ألا يكون للتقييم الخفي أثر مباشر، واشترط التفتيش بعد ظهور مؤشر للمخالفة، فإن الاكتفاء بمخرجاته لإثباتها هو سلوك للطريق الأسهل بدل الطريق الذي رسمه المنظِّم.
ويظهر ذلك بوضوح عند رصد حساب للمرخَّص له على منصات التواصل الاجتماعي، ثم الاستناد إلى ما يظهر فيه لإثبات مخالفة. فهنا لا يكفي القول إن المفتش "تحقق بنفسه"؛ إذ لا تعني العبارة الاكتفاء بقناعته الشخصية، وإنما تلزمه بمباشرة إجراءات التحقق التي رسمها المنظِّم، والتحقق من صحة الواقعة ودقتها ونسبتها إلى المرخَّص له، ومواجهته بما تضمنه تقرير الزيارة. لكن اكتمال التحقق من الواقعة لا يحسم المخالفة وحده؛ إذ يسبقه سؤال آخر: هل كان الحساب خاضعًا للالتزام أصلًا؟
وهنا تبرز المادة الـ18 من لائحة خدمات السفر والسياحة، التي أوجبت على المرخَّص له إدراج الاسم التجاري ورقم وفئة الترخيص على "جميع الصفحات والمواقع الإلكترونية التابعة له".
فإذا كان محل الرصد حسابًا للمنشأة على منصة تواصل اجتماعي، فإن إثبات خلوه من بيانات الترخيص لا يكفي؛ بل يجب أولًا تحديد ما إذا كان يدخل في وصف "الصفحات والمواقع الإلكترونية التابعة له" الذي حدده النص.
وهذا السؤال يتعلق بحدود الالتزام نفسه. فحسابات التواصل الاجتماعي تنشأ داخل منصات يملكها ويديرها طرف ثالث، يملك تعليق الحساب أو حذفه أو تقييده، وقد يفقد المرخَّص له السيطرة عليه لأسباب خارجة عن إرادته؛ بخلاف موقعه الإلكتروني الخاضع لسيطرته المباشرة.
ومن هنا تكتسب عبارة "التابعة له" أهميتها؛ فهي قيد لا يمتد تلقائيًا إلى كل حساب تنشئه المنشأة على إكس وسناب تشات وإنستجرام وتيك توك وغيرها من منصات التواصل الاجتماعي. ثم إن اللائحة ربطت إدراج هذه البيانات بضمان جودة الخدمة المقدمة، وهي خدمة تنشأ بعلاقة تعاقدية مع العميل وتقديمها له، لا بمجرد التفاعل أو الترويج عبر المنصات.
وعليه، فإن ثبوت نسبة الحساب إلى المنشأة لا يحسم المخالفة؛ فنسبته شيء، وخضوعه للالتزام شيء آخر. ثم لا يصح الخلط بين "وسائل التواصل الخاصة بممارس النشاط" الواردة في تعريف "العنوان الرسمي" في اللائحة وبين "وسائل التواصل الاجتماعي".
فاشتراك التعبيرين في لفظ "وسائل التواصل" لا يغيّر مدلول كل منهما، ولا يجعل الحساب الاجتماعي عنوانًا رسميًا، ولا يوسّع نطاق عبارة "التابعة له" التي حدد بها النص محل الالتزام.
إن اللائحة رسمت طريقًا واضحًا: رصد، ثم تحقق، ثم تحقيق، ثم ضبط، ثم إثبات للمخالفة. وحدود النص تسبق هذه المراحل كلها؛ فلا تكفي صحة الواقعة إذا لم تكن خاضعة للالتزام أصلًا. فالتحقق يحمي صحة الواقعة، وحدود النص تحمي صحة تطبيقه؛ وإذا اختل أحدهما، لم تعد المشكلة في المخالفة وحدها، بل في الطريق الذي أوصل إليها.
كاتبة متخصصة في قطاع السفر والسياحة
