الخميس, 1 أكتوبر 2026|18 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية


دانييل موس

بنك كوريا يتمسك بضبط النفس مع استمرار طفرة النمو وتسارع التضخم

ارتفاع الوون وقوة الصادرات يخففان الضغوط على بنك كوريا لرفع الفائدة

استثمارات الرقائق والذكاء الاصطناعي تدفع طفرة كوريا الجنوبية إلى مستويات استثنائية

 الخلاصة

بنك كوريا رفع أسعار الفائدة مرتين لكبح التضخم وسط طفرة اقتصادية مدفوعة بالطلب الخارجي والذكاء الاصطناعي. البنك يتبع نهج ضبط النفس للسماح للنمو بالوصول إلى سقفه الطبيعي، مع توقع نمو 3.3% في 2023. العملة المحلية ارتفعت 14% أمام الدولار، ما يخفف الضغط على رفع الفائدة بقوة.

يمكن للطفرة الاقتصادية اللافتة في كوريا الجنوبية أن تستمر لبعض الوقت، إذا كان للبنك المركزي رأي في الأمر. ولا شك أن المسؤولين أمامهم مهمة صعبة في إدارة التداعيات الناجمة عنها، لكن ضبط النفس قد يثبت أنه المسار الأكثر شجاعة.

بالنظر إلى الوتيرة السريعة للنمو وتسارع التضخم، أبدت السلطة النقدية قدراً كبيراً من ضبط النفس. ولا يشعر الرئيس الجديد لبنك كوريا بالذعر، ويبدو مصمماً على السماح لطفرة النمو بالوصول إلى سقفها الطبيعي ثم التراجع تدريجياً. وهذا نهج حكيم، نظراً إلى أن هذه الطفرة مدفوعة بالطلب الخارجي بقدر ما تحركها التطورات المحلية. فهناك طلب هائل على المواد المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي تزود بها الشركات الكورية العالم.

خفض التضخم

يملك بنك كوريا بالفعل القدرة على التدخل: يمكنه عرقلة هذه الطفرة وإبطاء وتيرتها وجعل الحياة أكثر صعوبة للمقترضين والمستهلكين المحليين. ويحتاج المسؤولون إلى خفض التضخم باتجاه المستوى المستهدف. لكنهم يشيرون إلى أنهم ليسوا في عجلة من أمرهم، ويظهرون قدراً مرحباً به من التواضع.

بعد رفع أسعار الفائدة مرتين، ربما تكون دورة التشديد النقدي على وشك الانتهاء. ويشير إصدار البنك الخاص من مخطط النقاط الذي يستخدمه بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى زيادة أخرى بمقدار ربع نقطة مئوية في سعر الفائدة الرئيسي إلى 3.25% خلال الأشهر الـ6 المقبلة. وهذا قدر متواضع نسبياً من التشديد النقدي وفقاً للمعايير الدولية. وبينما يبدو صناع السياسة مرتاحين للسماح للاقتصاد بالعمل بوتيرة قوية تتجاوز قدراته المعتادة، سيتعين عليهم التعامل مع التداعيات عندما تتلاشى هذه الطفرة في نهاية المطاف.

بنك كوريا يرفع الفائدة للمرة الثانية توالياً لكبح التضخم..

قد يحالف الحظ المحافظ شين هيون سونغ، إذ أنجزت الأسواق بعض العمل نيابة عنه. فقد ارتفعت العملة بنحو 14% أمام الدولار خلال الربع الجاري، وتتجه نحو تسجيل أحد أفضل أداءاتها منذ 1998، عندما كانت البلاد تتجاوز أسوأ تداعيات الأزمة المالية الآسيوية. ويختلف هذا التحرك بدرجة كبيرة عن الانخفاضات التي ميزت العقد الماضي، كما يخفف الضغط على شين لرفع أسعار الفائدة بقوة.

بيانات الاقتصاد

كان الوون مقوماً بأقل من قيمته بوضوح، لكن تحركاته بدأت أخيراً تتماشى مع البيانات الاقتصادية. وأظهرت بيانات الأسبوع الماضي ارتفاع الصادرات خلال أول 20 يوماً من سبتمبر بنحو 90% مقارنة بالعام السابق.

وفي اجتماعه الأخير، أجرى بنك كوريا تعديلاً كبيراً على توقعاته للنمو في العام الجاري، رافعاً إياها إلى 3.3% من 2.6%. وعادة ما يتوخى مسؤولو البنوك المركزية الحذر، وتميل أي تعديلات يجرونها إلى أن تكون تدريجية. ويبرز حجم رفع التوقعات مدى استثنائية الفترة التي تمر بها البلاد.

ومن المهم أيضاً عدم إغفال التطورات المحلية. إذ تخصص شركات صناعة أشباه الموصلات، بما فيها "سامسونج إلكترونيكس" و"إس كيه هاينكس" (SK Hynix)، ما يقارب تريليون دولار لمراكز البيانات ومنشآت أخرى.

وتريد سيؤول مضاعفة الطاقة الإنتاجية لرقائق الذاكرة خلال 5 سنوات، ودفع البلاد إلى موقع متقدم بفارق كبير عن المنافسين. ويصر الرئيس الكوري لي جاي ميونغ على أن التحرك سريعاً هو السبيل الوحيد للبقاء في هذه الحقبة الجديدة.

ومن الواضح أن هناك شهية قوية للاستثمار. فوفقاً لـ"أكسفورد إيكونوميكس" (Oxford Economics)، لا توجد في التاريخ سوى أمثلة قليلة تضاهي الإنفاق الرأسمالي الأمريكي على الذكاء الاصطناعي. وفي ما يتعلق بالتحولات التكنولوجية، خلصت المؤسسة إلى أن هوس الاستثمار في السكك الحديد بالمملكة المتحدة خلال أربعينيات القرن الـ19 كان أكبر فقط، مع إشارتها إلى وجود خطر كبير في أن تنتهي الطفرة نهاية مؤلمة. لكن التنبؤ بكيفية حدوث التراجع تحديداً، أو بحجمه المحتمل، أمر محفوف بالمخاطر.

سيناريو رفع الفائدة

بما أن كوريا تبدو عازمة على ركوب هذه الموجة، فما الذي يمكن أن يحدث أيضاً على نحو سيئ؟ قد يكون احتواء أسعار المستهلكين أصعب مما يتوقعه بنك كوريا. وهناك خطر من أن يؤدي كل هذا الإنفاق، إلى جانب المكافآت الكبيرة لمهندسي التكنولوجيا، إلى جعل التضخم عصياً على التراجع. وفي هذه الحالة، لن يكون التشديد النقدي المتواضع كافياً.

ينبغي لبنك كوريا أن يضع في اعتباره تجارب نظرائه مثل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي وبنك الاحتياطي الأسترالي، إذ اضطروا إلى استئناف رفع أسعار الفائدة للتغلب على التضخم المستمر.

في الوقت الراهن، يبدو أن شين يتبنى موقفاً شبيهاً بما أطلقت عليه جانيت يلين وآلان بليندر، المسؤولان البارزان السابقان في بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، "التريث". وهذا هو وصفهما للنهج الذي اتبعه البنك المركزي الأمريكي في منتصف وأواخر تسعينيات القرن الماضي، عندما غذت طفرة شركات الإنترنت نمواً قوياً من دون تضخم منفلت.

في نهاية المطاف، ومع اقتراب نهاية العقد، بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بالفعل رفع أسعار الفائدة بوتيرة أكثر قوة. وبدأت الألفية الجديدة بركود محدود، أسهم فيه تراجع قطاع التكنولوجيا.

من بين النقاشات العديدة التي تتردد من وقت إلى آخر في أروقة السلطات النقدية ذلك المتعلق بمدى امتلاكها القدرة، أو الرغبة، في إنهاء فترات التوسع الاقتصادي.

قتل النمو

خلال مؤتمر سبق بفترة وجيزة تفشي وباء كورونا، رأت يلين، التي ترأست بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من 2014 إلى 2018، أن فترات النمو لا تنتهي لمجرد استمرارها لمدة زمنية طويلة. أما بن برنانكي، الذي سبقها في المنصب، فكان أكثر وضوحاً، إذ أشار إلى أنها عادة ما "تُقتل". والسياسة النقدية لا تكون أبداً بعيدة عن مسرح الجريمة.

مسؤولة بالفيدرالي: الذكاء الاصطناعي قد يفاقم ضغوط التضخم..

إذا سارت الأمور على ما يرام بالنسبة إلى كوريا، فسيسمح البنك المركزي لهذه الفترة المواتية بالنسبة للاقتصاد بأن تنحسر من تلقاء نفسها. وينبغي له مقاومة أي رغبة في التعجيل بنهايتها. لا يملك المسؤولون البراعة الكافية لهندسة تباطؤ اقتصادي دون أن يتحول إلى ركود، لأنهم غالباً لا يدركون متى يكونون قد بالغوا في إجراءاتهم. وينبغي أن يكون الاعتدال السمة الأساسية لسياسة بنك كوريا النقدية، إلى جانب قدر معقول من الأمل.

كاتب عمود في بلومبرغ يغطي الاقتصادات الآسيوية. شغل منصب المحرر التنفيذي لأخبار بلومبرغ للاقتصاد العالمي سابقا، وقاد فرقًا في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية.

خاص بـ "الشرق  بلومبرغ"

منتدى الاقتصادية 2026