أكتب هذه السطور من إيطاليا، حيث يصعب على الزائر أن يفصل بين التاريخ والاقتصاد. فالمبنى القديم هنا ليس مجرد شاهد على الماضي، والساحة التاريخية ليست مجرد موقع لالتقاط الصور، بل كلاهما جزء من منظومة اقتصادية متكاملة تصنع الوظائف، وتحرك السياحة، وتدعم المنشآت الصغيرة، وتخلق قيمة مستدامة من إرث يمتد لمئات السنين.
وتؤكد الأرقام حجم هذه المنظومة؛ فقد سجلت إيطاليا في 2024 نحو 139.6 مليون وصول سياحي و466.2 مليون ليلة مبيت في منشآت الإقامة، في أعلى مستوى مسجل تاريخيًا، فيما شكل الزوار من الخارج أكثر من نصف الحركة السياحية.
وخلال التنقل بين روما وفلورنسا والبندقية وصولًا إلى ساحل أمالفي، يلفت الانتباه أن القيمة الاقتصادية للمكان لا تقوم على إنشاء الجديد فقط، بل على القدرة على إعادة تقديم القديم بصورة تجعله منتجاً اقتصادياً معاصراً. فبعض المباني القديمة أُعيد توظيفها لتحتضن فنادق ومطاعم ومتاجر، والساحات التاريخية أصبحت مراكز للنشاط السياحي والتجاري، فيما لا تزال الحرف المحلية حاضرة، تولد الدخل وفرص العمل وتحافظ على هوية المكان.
وهنا يظهر مفهوم يمكن أن نسميه "الاقتصاد الذكي للتراث" أي الانتقال من النظر إلى التراث باعتباره أصلًا يجب الحفاظ عليه فقط، إلى اعتباره أصلًا اقتصاديًا ومعرفيًا يمكن تنميته واستثماره دون فقدان هويته وقيمته التاريخية.
ولا يقتصر هنا الحفاظ على المباني والآثار فقط، بل ويمتد إلى التقنيات والمعارف والحرف التقليدية التي طورتها المجتمعات عبر مئات السنين؛ من أساليب البناء واختيار المواد والتعامل مع المناخ، إلى أنظمة الري والزراعة والصناعات المحلية. فكثير من هذه التقنيات لم تكن بدائية، بل كانت حلولاً هندسية ذكية وملائمة لبيئتها، وبعضها يحمل اليوم قيمة كبيرة في الاستدامة وكفاءة استخدام الموارد.
ومن هنا، لا ينبغي أن تأتي التقنيات الحديثة لتحل محل هذه المعرفة، بل لتساعد على توثيقها وحفظها وتطويرها. فالذكاء الاصطناعي والتوأم الرقمي والنمذجة ثلاثية الأبعاد يمكن أن تسهم في بناء أرشيف معرفي للتقنيات التراثية، ودراسة كفاءتها وإعادة توظيف ما يناسب منها في تطبيقات معاصرة.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية أكبر عندما ننظر إلى السعودية كونها تمتلك تنوعاً تراثياً وثقافياً وجغرافياً استثنائياً؛ من العلا والدرعية وجدة التاريخية والأحساء، إلى منطقة عسير بقراها وعمارتها التقليدية ومدرجاتها الزراعية وحرفها المتوارثة.
وعسير، على وجه الخصوص، تقدم نموذجًا غنيًا لتكيف الإنسان مع الجغرافيا والمناخ عبر تقنيات بناء وزراعة وإدارة للموارد تطورت عبر أجيال. والحفاظ على هذا التراث ينبغي ألا يقتصر على شكله المادي، بل أن يشمل المعرفة التي صنعته: كيف بُنيت المنازل؟ وكيف أُديرت المياه واستُثمرت التضاريس في الزراعة؟ إنها معرفة محلية يمكن توثيقها ودراستها وتطوير تطبيقات معاصرة انطلاقاً منها.
والفرصة الاقتصادية كبيرة؛ فقد استقبلت السعودية في عام 2024 نحو 116 مليون سائح محلي ووافد، بإجمالي إنفاق سياحي يقارب 284 مليار ريال، فيما ارتفع مستهدف المملكة إلى 150 مليون سائح سنويًا بحلول 2030.
وهنا لا تتمثل الفرصة في زيادة أعداد الزوار فقط، بل في بناء منظومات اقتصادية حول التراث يستفيد منها الحرفي ورائد الأعمال والمنشأة الصغيرة والمزارع والمبتكر، وبناء نموذج سعودي يجمع بين أصالة المكان وذكاء التقنية.
فالدرس الذي أراه هنا في إيطاليا بسيط لكنه عميق: ليس من الضروري أن نهدم القديم كي نبني اقتصاد المستقبل، وليس كل ابتكار مطالباً بأن يبدأ من الصفر، فأحياناً يكون الابتكار في اكتشاف الذكاء الكامن في مبنى أو حرفة أو تقنية عمرها مئات السنين، ثم منحها حياة جديدة بأدوات القرن الحادي والعشرين.
وفي السعودية، لدينا التاريخ، والمكان، والطموح، والتقنية. والفرصة أن نجمعها في معادلة واحدة؛ لنحافظ على تراثنا وتقنياته للأجيال القادمة، ونجعله في الوقت نفسه مصدراً مستداماً للقيمة والفرص والابتكار. فالمستقبل الذكي لا يبدأ دائماً من اختراع جديد؛ قد يبدأ أحياناً من تقنية قديمة نعيد اكتشاف قيمتها.
أستاذ وباحث في الهندسة والأنظمة الابتكارية
