د. مسفر الجار الله
قبل أكثر من 6 عقود، كان وزير النفط الفنزويلي خوان ألفونسو يسعى إلى إقناع الدول النفطية بالتجمع تحت مظلة منظمة تحمي مصالحها في مواجهة هيمنة شركات النفط الكبرى، أو ما عُرف آنذاك بـ"الشقيقات السبع"، التي كانت تسيطر على أجزاء واسعة من صناعة النفط وإنتاجه وتسويقه. وقد تكللت مساعيه، إلى جانب جهود شخصيات بارزة من الدول المنتجة وفي مقدمتهم السعودي عبدالله الطريقي، بتأسيس منظمة أوبك عام 1960. ولذلك يُعد بيريز ألفونسو أحد أبرز العقول التي أسهمت في ولادة المنظمة.
ورغم أن بلاده كانت آنذاك من أهم الدول النفطية في العالم، فإن نظرته إلى النفط حملت قدرًا كبيرًا من التشاؤم. فلم ينظر إليه دائمًا باعتباره ثروة وفرصة مضمونة للتنمية، بل نُسبت إليه العبارة الشهيرة التي وصف فيها النفط بأنه "فضلات الشيطان". ولعل خوفه كان نابعًا من إدراكه أن النفط، إذا لم تُحسن الدولة إدارة عوائده، قد يجلب معه الفساد والتدخلات الخارجية والمشكلات الاقتصادية أكثر مما يجلب الازدهار والرفاهية والتنمية.
والمفارقة أن فنزويلا أصبحت لاحقًا من أوضح الأمثلة على كثير مما كان يخشاه ألفونسو. فهي تمتلك أكبر الاحتياطيات النفطية المؤكدة في العالم، وكانت خلال التسعينيات تنتج أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا، لكنها شهدت لاحقًا تراجعًا كبيرًا نتيجة سنوات من العقوبات والأزمات السياسية والاقتصادية وضعف الاستثمار وغياب التقنيات والاستثمارات اللازمة لتطوير القطاع.
ولعل التجربة الفنزويلية تؤكد أن الثروة النفطية وحدها لا تكفي لبناء اقتصاد مستدام، بل تحتاج إلى قيادة فاعلة، ودبلوماسية رصينة، ورؤية إستراتيجية طويلة المدى. وهنا تبرز التجربة السعودية في الطرف الآخر من الصورة؛ فقد استطاعت السعودية خلال عقود قليلة توظيف ثروتها النفطية في بناء مدن حديثة وبنية تحتية وصناعات وجامعات ومؤسسات، ثم الانتقال اليوم إلى مرحلة أوسع من التنويع الاقتصادي والتقني. وبالنظر إلى حجم هذا التحول وسرعته، لا أرى مبالغة في وصف ما حدث في السعودية بأنه واحدة من معجزات العصر الحديث. ومن هنا يلفت الانتباه ما نسمعه هذه الأيام عن استعداد فنزويلا للعودة بقوة إلى أسواق النفط، ولكن هذه المرة من بوابة الولايات المتحدة الأمريكية.
هذه البوابة تتمثل في الاتفاقيات الأخيرة بين واشنطن وكاراكاس لتطوير القطاع النفطي الفنزويلي. ورغم أن بعض التفاصيل التجارية والقانونية لا تزال غير واضحة بالكامل، فإن المؤكد أن شركات أمريكية تستعد لاستثمار مليارات الدولارات لإعادة تطوير الحقول المهملة والبنية التحتية المتقادمة ورفع إنتاج البلاد خلال السنوات المقبلة.
ولا شك أن هذه ليست بالمهمة السهلة، ولا يمكن إنجازها في وقت وجيز؛ ليس بسبب تقادم الحقول والمنشآت فقط، وإنما أيضًا بسبب طبيعة جزء كبير من النفط الفنزويلي الثقيل، الذي يحتاج إلى استثمارات وتقنيات متخصصة. ولذلك أرى أن ما يهم أسواق النفط ليس ما ستنتجه فنزويلا في العام أو العامين المقبلين، بل ما قد تستطيع إنتاجه بعد 5 أو 10 سنوات.
ودعونا نتخيل أن الإنتاج الفنزويلي ارتفع بمقدار مليون برميل يوميًا أو أكثر فوق مستوياته الحالية خلال السنوات المقبلة. لا شك أن لذلك أثرًا في السوق. وقد يبدو للبعض أن مليون برميل يوميًا رقم صغير أمام سوق عالمية تتجاوز 100 مليون برميل يوميًا، لكن سوق النفط لا تحتاج إلى فائض ضخم حتى تتأثر الأسعار؛ ففي بعض الفترات قد يكون الفرق بين سوق متوازنة وأخرى تعاني فائضًا في المعروض مليون برميل يوميًا فقط. ويزداد هذا الاحتمال أهمية إذا تزامنت عودة فنزويلا مع نمو الإنتاج من دول أخرى وتباطؤ نمو الطلب العالمي، ما قد يجعل المحافظة على أسعار متوازنة أكثر صعوبة.
ومن هنا تبدأ القصة التي تهمنا في السعودية والخليج. ففنزويلا ليست دولة نفطية فحسب، بل دولة مؤسسة لمنظمة أوبك منذ 1960. وما يسترعي الانتباه أنه مع التقارب الحالي بينها وبين الولايات المتحدة ظهر حديث عن احتمال خروجها من المنظمة مستقبلًا. وحتى الآن يبقى ذلك مجرد احتمال وليس أمرًا محسومًا، لكنه يفتح الباب أمام سيناريوهين مختلفين.
السيناريو الأول هو أن تبقى فنزويلا في منظمة أوبك ويرتفع إنتاجها بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة. عندها سيدور النقاش حول حصتها الإنتاجية، خصوصًا أنها من الدول المعفاة حاليًا من بعض قيود الإنتاج. فإذا احتاجت أوبك+ مستقبلًا إلى خفض الإنتاج للمحافظة على توازن الأسواق، فمن سيستوعب البراميل الإضافية القادمة من فنزويلا؟ وقد تصبح كل زيادة في إنتاجها مدعاة لنقاشات جديدة حول الحصص ومن يتحمل التخفيض داخل المنظمة.
أما السيناريو الثاني فهو خروج فنزويلا من أوبك، وهنا تصبح المعادلة أكثر تعقيدًا؛ لأنها ستكون أكثر حرية في رفع إنتاجها بالتعاون مع الشركات الأمريكية والدولية. فإذا عادت بمليون برميل إضافي أو أكثر، فقد تجد أوبك وأوبك+ نفسيهما أمام خيارين صعبين: إما تخفيض الإنتاج من بعض الأعضاء للمحافظة على توازن الأسعار، أو المحافظة على الحصص السوقية وقبول أسعار أقل. ومن وجهة نظري، لا أرى أن الخيار الأول سيكون سهلًا على السعودية وكبار المنتجين، خصوصًا مع تغير السياسات النفطية خلال السنوات الأخيرة؛ فما بعد عام 2020 ليس كما قبله، والحفاظ على الحصة السوقية أصبح جزءًا مهمًا من المعادلة.
ولعل من المهم هنا التأكيد أن هذا السيناريو لا يعني أن السعودية ستفقد قدرتها على المنافسة أو بالضرورة جزءًا من أسواقها، بل قد يكون الأمر على العكس إذا نظرنا إلى العامل الأهم: تكلفة الإنتاج. فالسعودية تمتلك احتياطيات ضخمة، وبنية تحتية تعد من الأكثر تطورًا عالميًا، وتتمتع بواحدة من أقل تكاليف إنتاج النفط بين كبار المنتجين. ومن يقرأ تاريخ أسواق النفط يجد أن المنتجين الأكثر قدرة على التأقلم والصمود في فترات الأسعار المنخفضة هم عادة أصحاب التكلفة الأقل.
وقد يقول قائل إن انخفاض الأسعار سيؤثر في الإيرادات النفطية، ومن ثم في الاقتصاد والميزانية وخطط التنمية، وهذا صحيح إلى حد ما. لكن السعودية اليوم ليست السعودية نفسها قبل عقد. فقد ارتفعت حصة الإيرادات غير النفطية من إجمالي الإيرادات الحكومية من نحو 27% 2015 إلى نحو 46% 2025، مع استمرار توسع الأنشطة غير النفطية وتنويع مصادر الدخل. وهذا لا يلغي أهمية النفط للاقتصاد السعودي، لكنه يعكس تحولًا واضحًا في هيكل الإيرادات ويجعل المملكة أكثر قدرة على التعامل مع تقلبات أسواق النفط مقارنة بما كانت عليه في الماضي.
تبقى المفارقة التاريخية لافتة. فنزويلا التي أسهم وزير نفطها قبل أكثر من 60 عامًا في تأسيس منظمة أوبك، قد تعود اليوم بقوة إلى سوق النفط بدعم أمريكي، وربما تجد نفسها مستقبلًا أمام سؤال البقاء في المنظمة التي أسهمت في تأسيسها. لكن مهما كان السيناريو المستقبلي، فإن عودة فنزويلا لا تعني بالضرورة تراجع مكانة دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية.ففي سوق تزداد فيها المنافسة، ستكون الأفضلية لمن يمتلك الاحتياطيات، والبنية التحتية، والقدرة على التكيف، والأهم من ذلك من يستطيع إنتاج البرميل بأقل تكلفة والمحافظة على قدرته التنافسية مهما تغيرت الأسعار.