الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

لا ينبغي النظر إلى القضايا التي ظهرت إعلامياً خلال الفترات الماضية المتعلقة ببعض الشركات المدرجة باعتبارها أحداثاً منفصلة أو مخالفات فنية عابرة. فهذه القضايا، مهما اختلفت تفاصيلها، تفتح سؤالاً أعمق حول واقع حوكمة الشركات في البيئة المحلية، وحول مدى قدرة مجالس الإدارة ولجانها المتخصصة على أداء دورها الحقيقي في الرقابة والمساءلة وحماية حقوق المساهمين، ولا سيما صغار المستثمرين.

فالأسواق المالية لا تقوم على الأرقام وحدها، بل تقوم قبل ذلك على الثقة. والثقة لا تُبنى بمجرد وجود لوائح وأنظمة وتقارير سنوية، وإنما تُبنى عندما يشعر المستثمر أن القوائم المالية تمثل الواقع، وأن مجلس الإدارة يمارس دوره باستقلالية، وأن لجنة المراجعة ليست مجرد لجنة شكلية، وأن الإفصاح لا يستخدم لتجميل الصورة، بل لتمكين المستثمرين من اتخاذ قراراتهم على أساس معلومات عادلة وموثوقة.

إن ما تكشف عنه بعض القضايا المرتبطة بالشركات المدرجة لا ينبغي قراءته محاسبياً فقط. فالمحاسبة هنا قد لا تكون إلا الأثر الظاهر لمشكلة أعمق. عندما تصل المخالفة إلى مستوى تضخيم الإيرادات، أو إظهار القوائم المالية على غير حقيقتها، أو تقديم صورة مالية لا تمثل الواقع الاقتصادي للشركة، فإن السؤال لم يعد: أين كان المحاسب؟ بل: أين كان مجلس الإدارة؟ أين كانت لجنة المراجعة؟ أين كانت الاستقلالية؟ وأين كانت الثقافة المؤسسية التي يفترض أن تجعل القوائم المالية وثيقة مساءلة لا أداة تجميل؟

هذه الأسئلة تمثل جوهر الحوكمة. فالحوكمة ليست نصوصاً نظامية فحسب، وليست إفصاحات دورية، وليست تشكيل لجان داخل المجلس لمجرد استيفاء المتطلبات. الحوكمة في معناها الحقيقي هي قدرة الشركة على ضبط نفسها من الداخل قبل أن تتدخل الجهة الرقابية من الخارج. وهي قدرة مجلس الإدارة على مساءلة الإدارة التنفيذية، ورفض تمرير القرارات غير المنضبطة، وحماية مصالح الشركة والمساهمين حتى عندما يكون ذلك غير مريح أو مخالفاً لرغبة بعض الأطراف المؤثرة.

ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين الحوكمة الشكلية والحوكمة الفعلية. فقد تكون لدى الشركة لجنة مراجعة، وسياسات مكتوبة، وإفصاحات منشورة، وأعضاء مصنفون على أنهم مستقلون، ومع ذلك لا تكون الحوكمة حاضرة فعلاً. فالاستقلال الحقيقي لا يقاس بما يكتب في النماذج، بل بما يمارسه العضو عند مواجهة قرارات حساسة. والاستقلال لا يظهر في الاجتماعات العادية، بل يظهر عندما يطلب العضو معلومات إضافية، أو يعترض على معالجة محاسبية، أو يطالب بتقرير مستقل، أو يرفض تمرير قرار قد يضر بالمساهمين أو يضلل السوق.

وهنا تبرز إحدى الإشكاليات العميقة في بعض الشركات التي انتقلت من نمط الملكية الخاصة أو العائلية إلى نمط الشركة المدرجة. فالشركة المدرجة ليست امتداداً خاصاً للملاك المؤسسين أو كبار المساهمين، بل هي كيان اقتصادي عام تشارك فيه أموال شرائح متعددة من المستثمرين. ومع الإدراج، تتغير طبيعة المسؤولية. لم تعد الشركة تدار فقط وفق منطق الثقة الشخصية أو العلاقات التاريخية أو الترتيبات العائلية، بل يجب أن تدار وفق قواعد الشفافية والمساءلة والاستقلال وحماية حقوق جميع المساهمين.

ولا يعني ذلك التعميم على الشركات العائلية أو التقليل من دورها في الاقتصاد الوطني. فالشركات العائلية تمثل ركيزة مهمة في التنمية، وكثير منها حقق نجاحات كبيرة وأسهم في صنع الوظائف وبناء قطاعات اقتصادية مؤثرة. لكن الإشكالية تبدأ عندما تنتقل الشركة إلى السوق المالية دون أن تنتقل معها الثقافة الإدارية من منطق الملكية الخاصة إلى منطق المسؤولية العامة. عندها تظهر فجوة خطرة بين الشكل النظامي للشركة المدرجة والذهنية الإدارية التي ما زالت تعمل بمنطق العلاقات والولاء والثقة الشخصية.

إن تعيين أعضاء مجالس الإدارة على أساس العلاقات الشخصية أو التوازنات العائلية أو المجاملات الاجتماعية يمثل أحد أخطر مداخل ضعف الحوكمة. فمجلس الإدارة ليس مجلس وجاهة، ولا مساحة لتكريم الأسماء، ولا دائرة مغلقة للمقربين. مجلس الإدارة هو خط الدفاع الأول عن الشركة والمساهمين والسوق. وإذا غاب عنه التنوع في الخبرة، والاستقلال في الرأي، والقدرة على الفهم المالي، والشجاعة في المساءلة، تحول المجلس من أداة رقابية إلى غطاء شكلي لقرارات الإدارة أو كبار المؤثرين.

وتزداد خطورة هذا الأمر عندما تكون لجنة المراجعة ضعيفة أو غير قادرة على ممارسة دورها بفاعلية. فهذه اللجنة تحديداً تمثل أحد أهم مكونات الحوكمة، لأنها تقف عند تقاطع الإدارة المالية، والمراجع الخارجي، والمراجعة الداخلية، وإدارة المخاطر، والإفصاح. فإذا كانت لجنة المراجعة لا تملك الخبرة الكافية، أو لا تتمتع بالاستقلال الفعلي، أو لا تطرح الأسئلة الصعبة، أو تكتفي بتلقي العروض والتقارير دون تحليل ونقاش، فإنها تتحول إلى إجراء شكلي لا يوفر الحماية المطلوبة.

وهنا لا يكون الضرر محصوراً داخل الشركة. ضعف الحوكمة في شركة مدرجة واحدة قد يضر بثقة المستثمرين في قطاع كامل، وربما في السوق كلها. فالمستثمر الصغير لا يملك عادة القدرة على الوصول إلى المعلومات الداخلية، ولا يستطيع اختبار جودة الإيرادات أو سلامة التقديرات المحاسبية أو قوة أنظمة الرقابة الداخلية. هو يعتمد على القوائم المالية، وتقرير مجلس الإدارة، وتقرير المراجع الخارجي، وإفصاحات السوق. فإذا ضعفت هذه الأدوات، أصبح المستثمر الصغير الطرف الأكثر تعرضاً للضرر.

أكاديمي ومتخصص في شؤون الحوكمة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية