في كل مرة يتصاعد فيها التوتر العسكري في الخليج العربي، يعود مضيق هرمز إلى واجهة المشهد بوصفه نقطة الارتكاز الأكثر حساسية في معادلة الطاقة العالمية. واليوم، مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتهديد طهران بتعطيل حركة الملاحة بما في ذلك ناقلات النفط، قفز خام برنت متجاوزًا مستوى 80 دولارًا للبرميل، في انعكاس مباشر لحساسية السوق تجاه هذا الشريان البحري الحيوي.
الزاوية الأولى في قراءة المشهد من وجهة نظري هي زاوية الإمدادات الفعلية، كون مضيق هرمز يمر عبره يوميًا نحو 17 إلى 20 مليون برميلا من النفط الخام والمكثفات، أي نحو 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، كما يعبره جزء كبير من تجارة الغاز الطبيعي المسال، خصوصًا من قطر. هذا يعني أن أي تعطيل جزئي أو مؤقت، لا يقتصر أثره في صادرات دولة بعينها، بل يطال منظومة الطاقة العالمية بأكملها.
دول الخليج العربي، وفي مقدمتها السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر، تعتمد على المضيق كممر رئيسي لصادراتها. صحيح أن بعض الدول طورت مسارات بديلة جزئيًا، كخط أنابيب شرق-غرب في السعودية أو خط حبشان–الفجيرة في الإمارات، إلا أن الطاقة الاستيعابية لهذه البدائل لا تغطي كامل الصادرات. وبالتالي، فإن أي إغلاق فعلي للمضيق لأيام معدودة، سيؤدي بطبيعة الحال إلى سحب سريع من المخزونات الإستراتيجية وارتفاع حاد في علاوة المخاطر الجيوسياسية المضافة على السعر.
أما الزاوية الثانية فهي زاوية المضاربات، حيث أن أسواق النفط لا تتحرك فقط على أساس البراميل المفقودة فعليًا، بل على أساس التوقعات والمخاطر المحتملة. في أوقات الأزمات، تنشط الصناديق الاستثمارية والمضاربون في أسواق العقود الآجلة، فيرفعون الأسعار تحوطًا من سيناريوهات أسوأ. وهنا يصبح “الخطر المتوقع” مسعرًا قبل أن يتحول إلى “خطر واقع”. لذلك قد نشهد ارتفاعات متسارعة حتى دون توقف كامل للصادرات، فقط بسبب تصاعد التصريحات العسكرية أو وقوع حوادث محدودة في الملاحة.
التاريخ يعلمنا أن الأسواق تميل إلى المبالغة في رد الفعل في الساعات والأيام الأولى، قبل أن تعيد تقييم المعطيات بهدوء، ومع ذلك، فإن تجاوز برنت حاجز 80 دولارًا يعكس بوضوح أن السوق ترى احتمالًا حقيقيًا لتعطل الإمدادات، ولو بشكل مؤقت. وفي حال اتسع نطاق المواجهة أو طال أمدها، فإن الوصول إلى مستويات 100 دولار للبرميل ليس سيناريو مستبعدًا.
في رأيي، مسؤولية سلامة مضيق هرمز ليست مسؤولية دول المنطقة وحدها، بل مسؤولية العالم بأسره. هذا الممر البحري يخدم الاقتصاد العالمي ككل، وأي اضطراب فيه ينعكس على معدلات التضخم والنمو في الشرق والغرب على حد سواء. لذلك يجب العمل بكل الوسائل السياسية والدبلوماسية والأمنية لتحييد المضيق عن أي صراع عسكري.
وأعتقد أن العقلانية الاقتصادية ستفرض نفسها في نهاية المطاف، وسيتم احتواء التصعيد في زمن قياسي. قد نرى الأسعار تلامس حاجز المائة دولار مؤقتًا، لكن الأهم هو سرعة الاحتواء، لأن استقرار مضيق هرمز هو استقرار للاقتصاد العالمي بأسره.
مختص في شؤون الطاقة
