الخميس, 27 أغسطس 2026|13 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

عملت مصافي النفط الأمريكية بكامل طاقتها تقريبًا لأطول فترة متواصلة منذ أكثر من ربع قرن، ساعية جاهدة لاقتناص الأرباح الطائلة التي حققتها الحرب مع إيران.

لكن التاريخ يُقدم لنا عبرة تحذيرية : فالتشغيل المفرط للمصافي، الذي يُرهقها فوق طاقتها، قد يُؤدي إلى أعطال جسيمة، وهذا له تداعيات عالمية.

فقدرة المصافي الأمريكية على الحفاظ على معدلات التشغيل المرتفعة الحالية لأشهر، أو ربما سنوات، قد تُحدد الفرق بين سوق وقود عالمي مُتقشف للغاية وأزمة إمدادات شاملة تتسم بنقص حاد، وتراجع الطلب، ومعاناة اقتصادية واسعة النطاق.

وقد أدت حملة جوية أمريكية إسرائيلية مشتركة ضد إيران في أواخر فبراير إلى إغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى تعطيل خُمس إمدادات النفط العالمية، وعرقلة عمليات التكرير بشدة، ولا سيما في آسيا.

في غضون ذلك، دفعت الهجمات الأوكرانية المتواصلة على مصافي النفط الروسية موسكو إلى تعليق صادرات الديزل في يوليو.

وقد نتج عن ذلك انهيار في إنتاج الوقود العالمي. وانخفض إنتاج المصافي العالمية في يوليو إلى 81 مليون برميل يوميا، أي نحو 5 ملايين برميل يوميا، أو 6%، عن مستواه في الفترة نفسها من العام الماضي، وفقا لوكالة الطاقة الدولية.

واستجابت أمريكا، أكبر منتج للنفط الخام في العالم وثاني أكبر مكرِر بعد الصين، بزيادة صادرات النفط الخام والبنزين والديزل ووقود الطائرات إلى مستويات قياسية، وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ما ساعد على تجنب صدمة كارثية في الإمدادات.

وبالنسبة إلى صناعة التكرير الأمريكية، كانت الأشهر الستة الماضية بمنزلة طفرة غير مسبوقة. فقد بلغ متوسط ​​هوامش الربح القياسية لتحويل النفط الخام إلى وقود النقل أكثر من 50 دولارًا للبرميل منذ بداية الحرب، أي أكثر من ضعف متوسطها خلال السنوات العشر الماضية.

نتيجةً لذلك، حققت شركات التكرير الأمريكية الكبرى، بما فيها فاليرو، وفيليبس 66، وماراثون بتروليوم، وإكسون موبيل، أرباحًا قياسية أو شبه قياسية في الربع الثاني.

ولتحقيق هذه الأرباح الهائلة، أجّلت عديد من الشركات أعمال الصيانة المخطط لها، وأبقت المصانع تعمل بكامل طاقتها. وقد بلغ متوسط ​​إنتاج مصافي التكرير الأمريكية نحو 17 مليون برميل يوميًا منذ بداية النزاع، وهو أعلى بكثير من متوسطه خلال السنوات الخمس الماضية.

والسؤال الآن هو: إلى متى سيستمر هذا الوضع قبل حدوث خلل ما؟

احتفلوا كما لو كنا في 1997! إن فترة الإنتاج الأقصى المستدام هذه نادرة الحدوث في التاريخ الحديث. فعلى مدى الأسابيع الـ 11 الماضية، راوحت معدلات استخدام مصافي التكرير الأمريكية فوق 95%، وهو مستوى مستدام لم يُشهد منذ أكثر من 25 عامًا.

في الواقع، لم تحقق المصافي معدلات تشغيل طويلة الأمد كهذه إلا 3 مرات فقط، وفقًا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية التي تعود إلى 1990. وكانت أقرب الحالات المماثلة في عامي 1997 و1998، عندما سجلت المصافي الأمريكية فترتين منفصلتين مدة كل منهما 24 أسبوعًا بمعدلات تشغيل تتجاوز 95% - الأولى بين مايو وأكتوبر 1997، والثانية بين أبريل وسبتمبر 1998.

وفي صيف  1998، تجاوزت معدلات تشغيل أسطول المصافي 100%، وهي المرة الوحيدة التي سُجل فيها هذا في سجلات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.

وقد نتج هذا الأداء الاستثنائي عن مزيج نادر من انخفاض أسعار النفط الخام والطلب القوي والمستمر على الوقود، ما منح المصافي كل الحافز لمواصلة عملياتها بكامل طاقتها. وتكرر الأمر نفسه في 2000، عندما عملت المصافي بمعدلات تشغيل تتجاوز 95% لمدة 13 أسبوعًا متتاليًا، ولكن الظروف كانت مختلفة تمامًا.

فقد فرضت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) تخفيضات في الإنتاج 1999، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط الخام إلى الضعف تقريبًا بحلول منتصف 2000.

في حين أدى ذلك إلى تقليص هوامش ربح المصافي، فقد تزامن مع المراحل الأولى من دورة السلع الأساسية الفائقة التي تقودها الصين، عندما ارتفع الطلب العالمي على الوقود بشكل كبير، ما أجبر المصافي على العمل بكامل طاقتها لتلبية هذا الطلب. وانتهى هذا الارتفاع في نهاية المطاف عندما أصبح النفط الخام باهظ الثمن لدرجة لا تسمح باستمرار معدلات التشغيل المرتفعة.

تبدو الحالة الراهنة مختلفة تمامًا عن أي من هذه الحالات السابقة. فالزيادة الكبيرة في الاستخدام اليوم لا تعود إلى رخص المواد الخام أو الطلب المتزايد، بل إلى نقص حاد في طاقة التكرير ناجم عن الأضرار الناجمة عن الحرب في إيران وروسيا. لكن هذه الحالات توضح المخاطر التي يتحملها أصحاب المصافي.

هاوية خطرة

إن تشغيل أنظمة التكرير المعقدة بسرعات فائقة لفترات طويلة يزيد حتمًا من خطر أعطال المعدات والحوادث والانقطاعات غير المخطط لها.

في ظل ارتفاع هوامش الربح ونقص الوقود العالمي، أجّلت عديد من مصافي التكرير الأمريكية أعمال الصيانة الأساسية التي كان من المقرر إجراؤها في الربع الثاني من العام، ما أدى إلى تأجيل معظمها إلى أواخر 2026 أو حتى 2027.

ويكمن الخطر في أن يؤدي هذا التأجيل في نهاية المطاف إلى خسائر حادة وغير مخطط لها في الطاقة الإنتاجية.

يقدم التاريخ دروسًا متباينة. فقد انتهت أول عملية تكرير فائقة في 1997 تدريجيًا نسبيًا، حيث انخفض معدل الاستخدام من أكثر من 95% منتصف أكتوبر إلى نحو 92% بعد شهر، قبل أن يتعافى بسرعة. وجاءت العواقب الوخيمة في العام التالي.

فبعد فترة التشغيل التي استمرت 24 أسبوعًا في 1998، انخفض معدل الاستخدام بشكل حاد  فقد  انخفضت نسبة التشغيل من 95% في أواخر سبتمبر إلى 86% بحلول منتصف أكتوبر، حيث اضطرت عديد من المصافي إلى إجراء صيانة طارئة بعد أشهر من العمل بكامل طاقتها.

وظهر نمط مماثل في 2018، عندما أعقبت فترة تشغيل تجاوزت 95% لمدة 8 أسابيع انخفاضًا سريعًا إلى 89% في غضون أسابيع. وكان انتعاش عام 2000 الاستثناء البارز، إذ انتهى دون انهيار مماثل.

فما هو خطر الانهيار هذه المرة؟

من جهة، يتمتع القطاع اليوم بفهم أفضل بكثير للمخاطر المرتبطة بفترات التشغيل المرتفعة لفترات طويلة. ومع ذلك، فإن أزمة التكرير العالمية الحالية لا مثيل لها في تاريخ المصافي.

فمخزونات الوقود تتناقص، بينما من المرجح أن تؤدي الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية للتكرير في الشرق الأوسط وروسيا إلى انخفاض قدرة التكرير العالمية لسنوات. ويزداد خطر فقدان مزيد من الطاقة الإنتاجية أكثر من أي وقت مضى في الماضي القريب، لأن إنتاج التكرير العالمي يقل بنحو مليوني برميل يوميًا عن الطلب.

يُشكّل هذا معضلة خطرة. فكلما طالت فترة ارتفاع هوامش أرباح التكرير، ازداد إغراء المصافي لمواصلة العمل بكامل طاقتها. ولكن كلما زاد ضغط العمل، ازداد خطر الأعطال التي قد تُؤدي إلى سحب مزيد من الوقود من سوق مُنهكة أصلاً.

في الوقت الراهن، تُعدّ مصافي التكرير الأمريكية بمنزلة المورّد الأخير للعالم. ويكمن الخطر في أن العالم أصبح مُعتمداً عليها لدرجة أن أي خلل بسيط في عملياتها قد يُؤدي إلى دفع سوق هشة أصلاً إلى أزمة وقود حقيقية.

كاتب عمود اقتصادي ومتخصص في شؤون الطاقة ـ وكالة رويترز

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية