د. محمد آل عباس
الحوثي لا يمثل الشعب اليمني، فمنذ ظهور الحوثي على الساحة اليمنية قبل أكثر من 20 عاماً وهو يستخدم السلاح ويستقوي بإيران وحزب الله لفرض أمر واقع على الشعب اليمني الذي قالها أكثر من مرة بأكثر من تعبير بأنه يرفض الحوثي ولا يقبل به ممثلا عن الشعب، ومن أجل هذا اندلع الصراع لمدة تزيد على 20 عاماً، صراع لم تكن السعودية طرفا فيه بأي صورة، فلقد كان الصراع منذ عهد الرئيس على عبدالله صالح ولا يزال صراع يمني- يمني، وحتى عندما اندلعت الحرب بين الشمال والجنوب، لم تكن السعودية طرفاً فيه، وحتى في تلك الظروف والأحداث التي اشتبك حرس الحدود السعودي فيها مع ميليشيات الحوثي كانت السعودية تشتبك بحرس الحدود وفقا للحالات التي يتم فيها اختراق الحد الجنوبي.
إذا الصراع تاريخياً واجتماعياً هو صراع يمني-يمني، والحوثي بطريقة تعامله مع هذا الصراع (حيث يريد فرض تصوراته على الشعب اليمني الرافض لتلك التصورات كما لا يريد الحوثي مشاركة الشعب في الحياة الاجتماعية والسياسية لأمور ليس هنا محل بسطها) فهو يفشل دوماً في إقناع الشعب اليمني رغم لغة القوة التي يستخدمها، وكلما أثبت الشعب اليمني صموده أمام هذا التسلط والرعونة، يبدأ الحوثي في التلاعب بالمشهد السياسي فينشر الفوضى والإرهاب بين صفوف الشعب المقهور تارة.
فإذا استمر صمود الشعب أمامه يبدأ بالقصف هنا وهناك تارة أخرى، ثم يعمل على جر السعودية وأطراف أخرى للصراع اليمني حتى يستطيع أن يوهم الشعب اليمني والآخرين من المراقبين السذج بأنه مستهدف ويرفع في ذلك شعارات وخطابات جوفاء يتصنع فيها صوت الشعب وأن الصراع ليس يمنيا بل هو صراع سعودي يمني أو يمني إسرائيلي أو يمني أمريكي، فلا يهم المشهد بل المهم أن يخرج من دائرة الصراع اليمني ويخلط الأوراق ويستخدم كل مافيه تجيش العواطف مثل قصفه للمدن الإسرائيلية أثناء الاجتياح الإسرائيلي لقطاع غزة، وإغلاقه لمضيق باب المندب على أساس أن ذلك هو موقف الشعب اليمني وأنه هو الذي يدير ذلك الموقف.
ولا يهم الحوثي نتائج أفعاله وهل من تأثير حقيقي لهذه التصرفات أم لا، فالمسألة ليست في النتائج بقدر ما تكون في استغلال الموقف العاطفي لجماهير الشعب والشعوب الأخرى لاغتصاب تمثيل الشعب اليمني دون وجه مشروع، وهو في سعيه هذا يحاول استخدام أكثر الطرق تطرفاً ما أمكنه ذلك حتى لا يستطيع الطرف اليمني الآخر مجاراته فيبدو المشهد وكأن الحوثي هو الوحيد برغم الطيف الواسع من التنوع الثقافي والسياسي الرافض للحوثي في المشهد اليمني سواء داخل أو خارج اليمن.
ولأن الحوثي في مساره السياسي الخاطئ وفي تخبطاته يفشل دوما في إنهاء الصراع الداخلي وفي تحقيق تطلعات الشعب اليمني نحو التقدم والرخاء والعلاقات الطيبة مع دول الجوار ورغم مرور عقود طويلة من الزمن ولأن الوقت يمضي دون حل، فإن الحوثي يعود مراراً وبصور مختلفة إلى إدخال محاول جر السعودية في الصراع كان يدخل لجبل الدخان تارة أو يقصف المدن السعودية أملاً في أن ترد عليه السعودية ليبدأ في لبس عباءه المظلومية وأن السعودية تستهدف الشعب الذي يدافع عنه الحوثي ويستخدم في ذلك كل دعاية رخيصة و"فبركات إعلامية" غبية.
وفي ظنه أن الشعب اليمني سيمنحه ما يريده من وقت وشرعيه وتمثيل، إلا أن هذه المحاولات الفاضحة للهروب من استحقاقات الشعب اليمني تصطدم دوما بأمرين، أولها حكمة وصبر القيادة السعودية، وثانيها وضوح الصورة عند الشعب اليمني خاصة تلك المناطق التي تحت سيطرته فعلاً. فلقد منحت القيادة السعودية كل الفرصة للحوثي ليندمج مع شعبة، بل لقد صرحت السعودية أكثر من مرة بأن الحوثي هو جزء من طيف الشعب اليمني، لكن السعودية لن ترضى بشبه دولة في اليمن تظل تهدد الجنوب السعودية كلما تورط الحوثي في الصراع اليمني وفشل في حل مشاكل الشعب وتطلعاته.
في ظل هذا المشهد، تجد السعودية نفسها مع اختيارات الشعب اليمني بكل أطيافه في وحدة واحدة تمثلها الحكومة اليمنية الشرعية، وفي الوقت نفسه لا بد من حماية مصالحها التي يهددها هذا الحوثي بصواريخ ومسيرات تصنعها وتديراها إيران، ولكن دون أن تصبح السعودية طرفا في الصراع.
هذه المعادلة ليست صعبة، لكن يجب أن يستشعر المجتمع الدولي دوره، فمضيق باب المندب ليس مضيقا سعوديا ولا يمني، بل هو مياه دولية، ومنع السفن من المرور تحت أي شعار أو ادعاء هو تهديد للملاحة العالمية، والسكوت عن هذه الميليشيات وهو ضمنيا تشجيع لغيرها من الميليشيات في العالم بالتلاعب بالمياه الدولية للفوز بفرض الاتاوات وقطع الطرق، وإذا كانت السعودية قادرة لوحدها في التعامل مع الحوثي وقطع يده التي تمتد – وقد أثبتت ذلك في أكثر مرة عبر التاريخ - لكنها لو فعلت فإنها تحقق بذلك الهدف الذي يسعى إليه الحوثي اليوم من تدويل صراعه مع شركاء وطنه.
أكاديمي وكاتب اقتصادي وباحث
