جوناثان ليفين
@JonathanJLevin
تباين السياسات النقدية يثير مخاوف من ركود في أوروبا وتضخم عنيد في الولايات المتحدة
السياسة النقدية العالمية عالقة بين صدمة الطاقة ودعوات تجنب القرارات المتسرعة
الخلاصة
تشير الأسواق إلى رفع البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا أسعار الفائدة قبل نهاية العام، بينما الاحتياطي الفيدرالي أقل احتمالاً لذلك. أوروبا تواجه ركوداً وتراجعاً اقتصادياً، بينما الولايات المتحدة تعاني تضخماً مستداماً مع نمو وظيفي قوي. يُنصح البنوك المركزية بالتريث ومراقبة التطورات الجيوسياسية قبل اتخاذ قرارات نقدية جديدة. يبدو أن محافظي البنوك المركزية العالمية باتوا يخطئون في تقدير مسار أسعار الفائدة، إذا ما استدللنا على ذلك من الأسواق المالية.
تشير تداولات المقايضات إلى أن البنك المركزي الأوروبي سيقوم برفع سعر الفائدة مرة أخرى قبل نهاية العام، عقب رفعه يوم الخميس؛ كما من المرجح أن يرفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة أيضاً؛ بينما يُعدّ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأقل احتمالاً بين هذه البنوك لتشديد سياسته النقدية.
لكن من منظور اقتصادي، يفترض أن يكون الوضع معكوساً. فالخطورة تكمن في أن أوروبا تدفع نفسها إلى الركود، بينما قد تنتهي الولايات المتحدة بمشكلة تضخم أكثر رسوخاً واستدامة. ويمكن تسمية هذا الوضع بالركود التضخمي عبر الأطلسي، مع فارق أن أوروبا تتحمل العبء الأكبر من الركود، فيما تواجه الولايات المتحدة التضخم المزمن.
وضع الاقتصاد في أوروبا
من المرجح أن تستمر الملامح العامة لهذا المأزق الاقتصادي حتى مع أنباء اتفاق سلام مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران. ربما تكون منطقة اليورو هي الاقتصاد الأكثر عرضة للخطر بين الاقتصادات الثلاثة، مع منافسة شديدة من المملكة المتحدة. فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو بنسبة 0.2% في الربع الأول. وحتى عند استبعاد النمو المتقلب في أيرلندا، بدا الاقتصاد الأوروبي وكأنه يواصل النمو بصعوبة بالغة. فقد انخفضت مبيعات التجزئة في المنطقة بشكل حاد في أبريل، مع ظهور مؤشرات على تراجع ثقة المستهلكين حتى قبل أن تتفاقم آثار صدمة الطاقة.
أما في المملكة المتحدة، فقد انخفض عدد العاملين في كشوف الأجور بمقدار 100 ألف موظف في أبريل، في تراجع مفاجئ ومقلق تزامن مع انكماش الاقتصاد خلال الشهر نفسه. وإضافة إلى ذلك، أدت المخاوف السياسية والمالية في سوق السندات البريطانية إلى تشديد الأوضاع المالية وزيادة الضغوط على الاقتصاد.
ليس هذا هو الوقت المناسب لرفع أسعار الفائدة في أوروبا. فصدمة ارتفاع أسعار الطاقة —وما نتج عنها من انتقال جزئي للضغوط السعرية إلى بنود أخرى في سلة الاستهلاك— رفعت معدلات التضخم المسجلة مؤقتاً. ولكن حتى لو كنت تشكك في استدامة الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن صناع السياسات لا ينبغي أن يقلقوا من صدمة الطاقة إلا إذا بدأت الضغوط التضخمية بالتسرب إلى سوق العمل، حيث يمكن أن تترسخ داخل الاقتصاد وتصبح أكثر استدامة. وهذا السيناريو يبدو مستبعداً إلى حد كبير في المملكة المتحدة ومنطقة اليورو، لأن ضعف النمو الاقتصادي قلّص بدرجة كبيرة قدرة العمال على المطالبة بزيادات في الأجور، رغم الانتشار الواسع لأنظمة التفاوض الجماعي.
اقتصاد أمريكي أقوى
إذا كان هناك بنك مركزي ينبغي أن يفكر بجدية في رفع أسعار الفائدة، فهو الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. ففي الولايات المتحدة، تنفق شركات التكنولوجيا العملاقة مبالغ ضخمة على تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، كما لا يزال أثر الثروة الناتج عن الارتفاع المستمر في سوق الأسهم يدعم الإنفاق، إضافة إلى تسارع نمو الوظائف خلال الفترة الأخيرة.
وأضاف الاقتصاد الأمريكي، في المتوسط، نحو 188 ألف وظيفة شهرياً خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وهو أقوى معدل نمو للوظائف منذ مطلع 2024. وبينما لا يمكن وصف اتجاه الأجور الحقيقية بأنه مثالي، فإن هناك حجة قوية مفادها أن العمال الأمريكيين قد يسعون إلى استعادة جزء من قدرتهم الشرائية المفقودة من خلال المطالبة بجولة جديدة من زيادات الأجور.
يُعدّ التضخم، إلى حد ما، نبوءة تتحقق ذاتياً، وقد يجادل البعض بأنّ خطوة البنك المركزي الأوروبي الأخيرة تهدف في الواقع إلى تثبيت توقعات التضخم وحماية مصداقيته. ووفق هذا المنطق، يُفترض أن يبعث بنك إنجلترا رسالة مماثلة تؤكد تشدده في مكافحة التضخم عندما يعلن قراره هذا الأسبوع. ولكن يجب التذكير بأنّ مهمة محافظي البنوك المركزية في نهاية المطاف هي تقييم المسار الذي يتجه إليه التضخم، لا التركيز على مستوياته السابقة. والتسبب في ركود اقتصادي باسم التصدي لتهديد تضخمي وهمي في المستقبل ليس هو السبيل الأمثل لحماية مصداقية البنوك المركزية.
تجنب أخطاء الماضي
يبدو أن ما يحدث أقرب إلى محاولة غير موفقة لحماية السمعة الشخصية لصناع السياسات النقدية. فكل من رئيسة المركزي الأوروبي كريستين لاغارد ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي لا يزالان يحملان ذكريات موجة التضخم العالمية بين عامي 2021 و2023، حين افترضت البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة أن صدمة التضخم الناتجة عن اختناقات العرض ستكون مؤقتة، لكنها شعرت بالحرج عندما لم يحدث ذلك.
ولذلك، قد يكون لدى صناع السياسة النقدية حافزاً قوياً لتجنب تكرار الخطأ نفسه حفاظاً على إرثهم المهني. وكما أشار محللان في "بلومبرغ أوبينيون"، هما مارك غيلبرت وخافيير بلس، إلى أن البنك المركزي الأوروبي يبدو وكأنه "يخوض الحرب السابقة" عندما رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس الأسبوع الماضي. فأسواق العمل اليوم تحتوي على فائض أكبر من العمالة مقارنة بفترة التضخم السابقة، كما أن السياسة النقدية أصبحت أكثر تشدداً بالفعل مما كانت عليه آنذاك.
في الولايات المتحدة، يدخل كيفن وارش أول اجتماع له كرئيس للاحتياطي الفيدرالي يوم الأربعاء وهو غير مثقل بإرث القرارات السابقة. كما أنه الوحيد بين نظرائه الذي يعمل وفق تفويض مزدوج وواضح يتمثل في الحفاظ على استقرار الأسعار وتحقيق أقصى قدر من التوظيف، ما يمنحه مساحة أكبر للإبقاء على السياسة النقدية دون تغيير.
ومع ذلك، قد لا تكون دوافعه بعيدة تماماً عن الاعتبارات السياسية. فبحسب الظروف الاقتصادية الحالية، يُفترض أن يتبنى موقفاً يميل نسبياً إلى التشدد النقدي، لكنه يواجه أيضاً ضغوطاً ضمنية لمراعاة توجهات رئيس يميل إلى السياسات التيسيرية، وهو من رشحه لهذا المنصب.
التريث ومراقبة الاتفاق بين أمريكا وإيران
من الحكمة أن تتريث المؤسسات الثلاث، وتنتظر الوقت المناسب، وتراقب ما سيحدث لاحقاً قبل اتخاذ أي خطوات جديدة في السياسة النقدية. ويشمل ذلك انتظار معرفة ما إذا كان الاتفاق المؤقت الجديد بين الولايات المتحدة وإيران سيصمد.
ويبدو أن محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي أقل استعجالاً في تعديل أسعار الفائدة مقارنة برئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، لكن الأسواق لا تبدو أنها تصدقه. إذ يشعر المستثمرون بالقلق من أن زيادة الإنفاق المالي في المملكة المتحدة قد تفرض ضغوطاً تدفع نحو تحرك نقدي، خاصة إذا شهد المشهد السياسي البريطاني تحولاً نحو اليسار.
ومن المتوقع أن تحمل الانتخابات الفرعية في منطقة ماكرفيلد يوم الخميس إشارات مهمة للأسواق بشأن فرص آندي بورنهام في الفوز بمنصب رئاسة الوزراء، وما إذا كان ذلك قد يدفع الحكومة نحو سياسات مالية أكثر توسعاً. أما في الولايات المتحدة، فيرغب صناع السياسات في معرفة ما إذا كان تسارع سوق العمل الأخير سيستمر أم لا.
ختاماً، لا تملك البنوك المركزية معرفة بالمستقبل أكثر من أي أحد فينا، ومن الممكن أن يتغير المشهد الجيوسياسي خلال الأيام والأسابيع المقبلة. ومن شأن تجاهل الضوضاء الصادرة من البيت الأبيض أن يتيح لصناع السياسات التركيز على قوة اقتصاداتهم وأسواق العمل بدلاً من الانجرار وراء تقلبات أسعار الطاقة. وإذا نجحوا في ذلك، يمكنهم تجنب دفع السياسة النقدية العالمية نحو مسار خاطئ.
صحفي لدى بلومبرغ في أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة، حيث قام بتغطية التمويل والأسواق وعمليات الاندماج والاستحواذ. شغل رئيس مكتب الشركة في ميامي
خاص "بلومبرغ"
