الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية


أحمد الشهري

سنتحدث اليوم عن "ماذا لو أصبح ميزان المدفوعات مقياساً لأداء اقتصادنا؟ تخيل اقتصاداً يحتفظ بثروته داخل حدوده، يحولها إلى مصانع محلية، خدمات وطنية، ومهارات مبتكرة، بدلاً من أن تتسرب عبر الاستيراد أو تحويلات الوافدين. هذا ليس حلماً، بل هدف يمكن تحقيقه إذا ربطنا أداء أجهزتنا الحكومية والشركات المدعومة والقطاعات بمؤشرات الاقتصاد الكلي، مثل ميزان المدفوعات والتوطين للسلع والخدمات وبناء القدرات.

النجاح الاقتصادي الحقيقي يتطلب حوكمة ذكية تجعل كل قرار يعزز الإنتاج المحلي ويقلل الاعتماد على الخارج.

تشير البيانات إلى أن تحويلات بند الوافدين للخارج تجاوزت 2.1 تريليون ريال بين 2010 و2024، وهو تسرب نقدي يحد من قدرة اقتصادنا على خلق فرص عمل تعزز الإنتاجية.

حسب النظرية الكنزية، خروج الأموال يضعف "المضاعف الاقتصادي" التي تحفز النمو بإعادة تدوير الثروة محلياً، لكن التحدي يتجاوز التحويلات إلى فاتورة الاستيراد الباهظة وممارسات التستر التجاري وتضخيم فواتير الاستيراد، التي تستنزف ثروتنا دون أن تظهر بوضوح في الإحصاءات.

ماذا لو أنشأنا مركزاً وطنياً مستقلاً بمسمى " المركز الوطني لمراقبة ميزان المدفوعات والتوطين"، مرتبطاً برئاسة مجلس الوزراء، مخولاً بسلطة تنظيمية ملزمة لمراقبة ميزان المدفوعات وتعزيز توطين السلع، الخدمات، والقدرات التقنية والبشرية؟

هذا المركز لن يكون جهازاً استشارياً، بل قوة تنفيذية تملك صلاحيات فرض سياسات وتعديل ميزانيات لضمان تحقيق الأهداف الاقتصادية، مهمته تتبع التسرب النقدي، تحليل التحويلات الخارجية وفواتير الاستيراد، تحديد مصادرها، سواء كانت تحويلات أفراد أو ممارسات تجارية مشبوهة.

سيُحمل الأجهزة الحكومية والشركات المدعومة والقطاعات الاقتصادية مسؤولية تقليل الاعتماد على الاستيراد من خلال خطط توطين شاملة، تركز على إنتاج سلع ومعدات وخدمات محلية وتطوير قدرات وطنية مبتكرة، وليس مجرد توظيف المواطنين.

على سبيل المثال، إذا كان قطاع يستورد معدات بمليارات الريالات سنوياً، فسيطالب المركز بخطة لتطوير صناعة محلية أو تدريب كوادر سعودية لإنتاج تلك المعدات باستثمارات محلية أو أجنبية مشتركة، مع قياس النجاح بانخفاض فاتورة الاستيراد والتحويلات الخارجية.

إذا فشل القطاع، يملك المركز سلطة اقتراح تعديل ميزانياته أو تقليص الدعم الحكومي. كما يمكنه مراقبة ممارسات مثل تضخم فواتير الاستيراد أو تحويلات الأصول عبر المنافذ بأنظمة تتبع متقدمة لتعزيز بقاء الأموال داخل الاقتصاد، يمكن للمركز تصميم واقتراح برامج تحفيزية للوافدين، مثل "صندوق توفير للأجانب"، حيث يشجع الوافدين على إيداع جزء من رواتبهم في صندوق حكومي يوفر استثماراً ادخارياً جذاباً، مع إمكانية استرداد المبلغ عند مغادرتهم. كذلك، يمكن ربط تجديد الإقامة لفترات أطول بحوافز المشاركة في تلك البرامج، مثل المشاركة الطوعية في هذا الصندوق أو الاستثمار في مشاريع محلية عبر صكوك مصممة لمشاريع محلية، ما يحفز الوافدين على إبقاء أموالهم في دورة الاقتصاد المحلي بدلاً من تحويلها.

هذا النهج مستلهم من نظرية النمو الداخلي، التي تؤكد أن الاقتصادات تنمو عندما تستثمر مواردها البشرية والمعرفية، بدلا من استنزاف ثروتنا في استيراد سلع وخدمات يمكن إنتاجها محلياً أو تحويلات خارجية، يمكننا تحويل تلك الأموال التي تطور صناعاتنا، وبناء قدرات تقنية مستدامة. هذا هو جوهر السيادة الاقتصادية: التحكم في تدفق الثروة لخدمة أهدافنا الوطنية.

بالطبع إنشاء مركز بمثل هذه السلطة يواجه تحديات، مثل مقاومة القطاعات أو الحاجة إلى استثمارات أولية، لكن مع دعم الدولة وتكنولوجيا متطورة، يمكن التغلب على هذه العقبات. تخيل اقتصاداً يحول كل ريال كان يغادر الحدود إلى مصنع محلي، خدمة وطنية، أو مهارة مبتكرة. هذا هو الاقتصاد الذي نطمح إليه كاقتصاديين: اقتصاد يحتفظ بثروته ويحولها إلى مستقبل مزدهر.

اقتصادي في السياسات الاقتصادية وإدارة إستراتيجيات الأعمال والشراكات الإستراتيجية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية