دانية أركوبي
بين حين وآخر تواجهنا صدمات تكون بمنزلة مرحلة انتقالية لإعادة النظر في سياسات قائمة وبناء أخرى جديدة تتكيف مع الطورائ. قد تكون جيوسياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، ولكن النتيجة واحدة، خلق فجوات لا تستطيع ديناميكيات قائمة إيجاد حل لها، وهذا الأمر ينطبق على الحكومات ومؤسسات الأعمال والأفراد. في ثلاثينيات القرن الماضي كانت أفكار عالم الاقتصاد "كينز" بمنزلة مفترق طرق لإخراج العالم من أسوأ أزمة اقتصادية، أفكار تجاوزت التقليدية وتبنت حلول تتكيف مع وضع اقتصادي معقد يمتزج فيه التضخم مع الركود.
وفي حاضرنا لا نكاد نخرج من صدمة حتى تضربنا أخرى، بل الأصعب أنها جميعاً تحدث في وقت واحد. من جغرافيا سياسية معقدة، إلى صدمة وقود تضرب محركات الاقتصاد، وحمائية تجارية ينفرط معاها عقد التكامل، وتضخم يقرع أجراس المستهلكين، وركود محتمل يؤرق راحة الحكومات. كلها ضربات تجعل الجميع مقبل على سياسات وأولويات مبتكرة، تحاكي الواقع وتتجاهل الوعود السابقة على جميع الأصعدة.
أولويات الحكومات في ظل تعقيدات واضطرابات كهذه لا بد لها من إعادة صياغة. فالإنفاق والاستثمار يتحول في فترات الانكماش إلى أداة لتنشيط الاقتصاد وبناء جدار لحماية الصناعة والعاملين، وامتصاص التضخم للمحافظة على قدرات المستهلكين الشرائية، وبناء احتياطيات من سلع إستراتيجية مثل الغذاء والطاقة. وتبنى سياسات توطين لسلع باتت تستخدم كأدوات ضغط. إضافة إلى إعادة تشكيل التحالفات بما يتماشي مع التوجهات والأولويات الأساسية في المدى المتوسط والطويل.
تحتاج الشركات إلى إعادة تموضع للتكيف مع التغيرات القائمة. فأسواق تقليدية تعتمد عليها سواء كمراكز إنتاجية أو كسلاسل توريد لم تعد تتمتع بالموثوقية والمنافسة العادلة، في ظل تجارة مقيدة وانكماش في الاستهلاك. والحل يكمن في إعادة بناء شبكة كاملة من الموردين ونقل التصنيع إلى وجهات جديدة.
أولويات الاستثمار تحتاج إلى إعادة تعريف، فالتكنولوجيا والبحث والتطوير لم تعد رفاهية، وإنما صك ضمان يحافظ على قوة الشركات وحضورها وحصتها السوقية، ويسهم في توفير مصادر دخل جديدة تعزز الوضع المالي. يمتد هذا إلى حلول التمويل، فأسعار الاقتراض المرتفعة تفرض اللجوء لتمويل مبتكر يوفر السيولة ولا يعطل المسيرة.
الحلقة الأخيرة في السلسلة -وهي الأفراد- تحتاج إلى مواثيق جديدة لإدارة عملياتها اليومية في أوقات الاضطراب الحالية. فالاستهلاك الشره للسلع والخدمات غير الضرورية من المهم أن يخضع لقواعد الرشد المالي. ضرورة بناء محفظة استثمارات متنوعة تضم أسهما وسندات ومعادن (ذهب وفضة) تنوع المخاطر، ذلك يعني تجنب الادخار السلبي في صورة أموال سائلة لا تدر عائد وتتآكل قيمتها الحقيقية وقدرتها الشرائية مع ارتفاع التضخم. تقلبات سوق العمل ومنافسة التقنيات مثل الذكاء الاصطناعي يتطلب من الأفراد اكتساب المعرفة وتنويع وصقل مهاراتهم للتكيف مع متطلبات الوظائف الجديدة.
هنا الحديث عن اضطرابات ما سيكون خلفها ليس كسابقها، فما ينتظرنا في المستقبل لن يشبه ما كان في الماضي، والفائز من يدرك ويتحرك سريعاً لإعادة ترتيب أوراقه وأولوياته ويكيف سياساته. ومن يتأخر أو يتجاهل سيكون في وضع صعب، الخروج منه سيتطلب تكاليف باهظة. فعصور الهدنة الجيوسياسية اللاحقة لنهاية الحرب الباردة قد ولت، والتكامل التجاري والاقتصادي بات حلم أكثر منه حقيقة في ظل صعود التيارات الانعزالية، وسلاسل التوريد صارت أوراق ضغط أكثر منها ربح وتجارة.
وقد كانت رؤية 2030 استباقية في نظرتها لمستقبل اقتصاد السعودية، فهدفها تركز على تحويل السوق المحلية إلى مركز للاستثمار والتصنيع والتصدير، عبر تحالفات تتجاوز الحدود الجغرافية، مبدأها الأساسي النفع المتبادل. رؤية عززت مصادر الدخل وأعادت اكتشاف إمكانات وطاقات غير مستغلة في مجالات السياحة والترفيه.
ومن المهم للسعودية المضي قدماً في طريقها للتنويع الاقتصادي وبناء سلاسل توريدها وتوطين صناعاتها الحيوية في مجالات التكنولوجيا والتصنيع المتقدم والأمن الغذائي، عبر شراكات مثمرة مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وتوسيع حضورها وتكاملها الإقليمي في مجالات التجارة والاستثمار والنقل وتبادل الخبرات والمعرفة.
مستشارة اقتصادية
