د. محمد آل عباس
في 2024 صدر قرار لجنة الاستئناف في منازعات الأوراق المالية القطعي بإدانة أعضاء مجلس إدارة في شركة ريدان الغذائية (ريدان) لقيامهم بصفتهم أعضاء مجلس إدارة في الشركة باستعمال أموال الشركة لمحاباة مالكَي شركة "الجونة".
هذه واحدة من الحالات المعقدة محاسبيا، ولا شك أن الذين قاموا بالعملية كان لديهم بصيرة كبيرة بالمحاسبة، وقد يصعب شرحها تفصيلا لغير المحاسبين، لكن بداية أشكر مراجع الحسابات في تلك الفترات التي حدثت فيها المعاملات، لقد كان لشجاعته ومهنيته بالتحفظ في تقريره دور كبير في كشف تلاعب محاسبي معقد، لم يكن ليكتشف لولا قيامه بواجبه.
فقد ورد تحفظ المراجع في الأعوام 2018 – 2019 – 2020، (اطلعت فعليا على تقرير المراجع لعامي 2019-2020)، حيث أكد المرجع أنه لم يستطع الحصول على المعلومات المالية لشركة "الجونة" وأوراق العمل لمراجع حساباتها ولدرجة أنه لم يكن قادرا على بناء رأي بشأن هذه الاستثمارات التي تجاوزت (81) مليون ريال، كما أنه تحفظ بشأن تقييم الهبوط في قيمة عدة أصول عقارية وحقوق استخدام تجاوزت (240) مليون ريال.
مثل هذه التحفظات قد تمر بهدوء فالمراجع لم يتهم أحدا بشيء، بل قال: "لم أستطع الحصول على ما يكفي من الأدلة". هنا أقدم الشكر أيضا لهيئة السوق المالية التي أخذت مثل هذا الرأي بعين الاعتبار (اعتبرته جرس انذار) وبدأت في التحقق من القوائم المالية للشركة وعلاقتها مع شركة "الجونة"، فتبين لها أن مجلس إدارة شركة "ريدان" في 2018 قد وقع اتفاق مع شركة "جونة" بحيث تحصل شركة "الجونة" على فروع لشركة ريدان بقيمتها العادلة (26.47) مليون ريال وعلى استثمارات نقدية بمبلغ (33) مليون ريال بإجمالي بلغ (81.24) مليون ريال وتحصل "ريدان" في مقابل ذلك على حصة (33%) من شركة "الجونة".
لاحظ أن شركة "الجونة" لم تدفع شيئا لشركة "ريدان" في مقابل الحصول على هذه الأصول الضخمة (6 فروع ونقدية) ومحاسبيا كان لا بد أن تعالج هذه الاستثمارات كأصول جديدة في شركة "الجونة" (يقابلها زيادة في رأس مال "الجونة" بما يعادل 33% "لريدان")، لكن ما الذي تم فعليا في دفاتر وحسابات شركة "الجونة" نفسها؟ تم تسجيل المبلغ في حساب الأرباح المبقاة ثم تم توزيعه نقدا على الشركاء في شركة "الجونة" (أي تم سحب المبلغ كله) فهي بهذا لم تعد عملية استثمارات إضافية، بل بيع حصص، لكن العملية بقيت في دفاتر شركة ريدان الغذائية كزيادة في رأسمال شركة "الجونة" (أي تم تضخيم قيمة شركة "الجونة" في دفاتر "ريدان" على غير حقيقتها)، والفرق بينهما كبير.
لذا ورد تسبيب قرار لجنة الفصل "بإغفالهم (أي أعضاء مجلس الإدارة في ريدان) المطالبة بإعادة تسجيل التمويل الإضافي والاحتياطي العام في القوائم المالية السنوية لشركة الجونة لعام (2018)، والتي تم تحويلها إلى حساب الأرباح المبقاة وتوزيعها على الشركاء في شركة الجونة، أو إعادة تقييم الاستثمار وإغفالهم المطالبة بتسجيل قيمة استثمار شركة ريدان الغذائية كزيادة في رأسمال شركة الجونة، بدلاً من قبول تحويلها إلى الحسابات الجارية للمالكين السابقين في شركة الجونة" أي أن جميع المعالجات المحاسبية في شركة "الجونة" كانت في حقيقتها استيلاء على أموال وفروع شركة "ريدان" وكان ذلك بعلم مجلس إدارة "ريدان".
لم تقف المخالفات هنا بل تضمنت عدم الالتزام بمعيار المحاسبة (IAS 36) الذي يقيس الهبوط في قيمة الأصول، هذا المعيار يطلب من الشركة أن تعرض الأصول في القوائم المالية بقيمتها القيمة العادلة ناقص تكاليف البيع (تسمى القيمة القابلة للاسترداد) ويعتبر خسارة الهبوط في قيمة الأصول بأنها مقدار زيادة القيمة الدفترية للأصل عن المبلغ القابل للاسترداد، وقد ذكر المراجع في تحفظه أن الشركة لم تقم بإجراء اختبار الهبوط في قيمة العقارات والآلات التي بلغت (240) مليون ريال، لكن الشركة عادت في 2022 بإجراء اختبار للهبوط في قيمة العقارات والآلات والمعدات ونتج عن تسجيل خسارة بمبلغ (31.6) مليون ﷼ سعودي.
لكن لم تقف المخالفات هنا أيضا، بل قام عدد من أعضاء في مجلس إدارة "ريدان" خلال الأعوام من 2019 وحتى 2021، بتحويل جزء من أسهم الشركة بين محافظهم الاستثمارية تلاها عمليات (بيع) لتلك الأسهم بإجمالي قدره (3.46) مليون سهم، حدث هذا بعد أن قام المراجع الخارجي بتحفظ وبدأت هيئة السوق المالية بالتحقيق.
مخالفات أقل ما يقال عنها بأنها جسميه، لكن هذه الحالة بكل ملابساتها تضع حقيقة واضحة بأن السوق السعودية تسير بالمسار الصحيح وقادرة على تعزيز ثقة المستثمرين، فالمخالفات طبيعة لازمه للأسواق، فبعضهم يعتبر المناصب فرصة، والخداع المحاسبي جريمة كاملة، وهذا في كل الأسواق، لكن جودة السوق المالية وجودة أعمال المراجعة الخارجية التي تكتشف مثل هذه الحالات المعقدة وتعلن عنها وتفصح عن ملابساتها وتقاضي وتعاقب المخالفين هو الذي يمنح المراجعة الخارجية جودتها ويمنح السوق المالية قيمتها.
لكن بقيت ثغرة واضحة في هذه الصورة الجمالية وهي تورط لجان المراجعة في تلك المخالفات الواضحة، فقد تم إدانة لجنة المراجعة في شركة "ريدان" وتم كذلك في شركة "السعودي الألماني" وغيرها، ما يضع استقلال هذه اللجان وما يتبعها محل شك وهذه نقطة ضعف يجب معالجتها.
أكاديمي وكاتب اقتصادي
