السبت, 10 أكتوبر 2026|27 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

في الخامس من أكتوبر الجاري، احتضنت واحة الملك سلمان للعلوم في الرياض النسخة الأولى من منتدى "الاقتصادية" السنوي تحت شعار "اقتصادنا والذكاء الاصطناعي"، بشراكة استراتيجية مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات. وكان لافتاً ما أكده رئيس المنتدى الأستاذ محمد البيشي من أن طموح السعودية لا يقف عند الاستثمار في هذا القطاع، بل يمتد إلى قيادة أخلاقياته وحوكمته في سوق تتشكل بسرعة. وهي عبارة تختصر جوهر النقاش العالمي اليوم: كيف ننظّم الذكاء الاصطناعي دون أن نُطفئ محرّك النمو؟

هذا السؤال تحديداً طرحه الدكتور إدوارد لونج، مدير مركز التكنولوجيا والابتكار في أحد مراكز الأبحاث الأمريكية، في دراسته "خطأ الـ38 مليار دولار". وخلاصتها أن ولاية فلوريدا قد تخسر 38 مليار دولار من نشاطها الاقتصادي سنوياً، ونحو 54 ألف وظيفة كل عام، مع تراجع الأجور بنسبة 1.4%، إذا فُرضت عليها تنظيمات صارمة للذكاء الاصطناعي.

ويزداد السؤال إلحاحاً حين ننظر إلى حجم الفرصة. فبحسب أحدث تقديرات مؤسسة IDC، ستحقق الاستثمارات في حلول الذكاء الاصطناعي أثراً اقتصادياً عالمياً تراكمياً يبلغ 22.3 تريليون دولار بحلول 2030، أي نحو 3.7% من الناتج العالمي، ويُتوقع أن يولّد كل دولار جديد يُنفق عليها 4.9 دولار إضافية في الاقتصاد. أما إقليمياً، فقد قدّرت PwC أن المملكة ستكون المستفيد الأكبر في الشرق الأوسط، بمساهمة تتجاوز 135 مليار دولار في اقتصادها عام 2030، تعادل 12.4% من ناتجها المحلي. فرصة بهذا الحجم لا تحتمل أخطاء تنظيمية.

في الولايات المتحدة، بدأت المشكلة في مايو 2024 حين أقرّت كولورادو أول قانون شامل للذكاء الاصطناعي، ثم تتابعت محاولات في كاليفورنيا وفيرجينيا، ونُقضت كلتاهما، وفي كونيتيكت ونيويورك. والنتيجة خليط من القوانين المتباينة يضطر الشركة الواحدة إلى التوفيق بين قواعد مختلفة لمنتج واحد، حتى طُرح في الكونجرس مقترح بوقف تنظيم الولايات للذكاء الاصطناعي 10 سنوات.

وتبني الدراسة أرقامها على افتراض تراجع كفاءة الشركات بنسبة 1% بسبب العوائق التنظيمية، وتراجع إنتاجية الأفراد، ولا سيما المهنيين ذوي الدخل المرتفع. ويحذّر الكاتب من تكاليف امتثال تستنزف أموال التوظيف والتوسع، ومن غموض يدفع الشركات للعزوف عن الاستثمار، ومن هجرة الكفاءات نحو بيئات أرحب.

لكن الأرقام تستحق قراءة متأنية؛ فالدراسة صادرة عن جهة ذات موقف معلن، وتحسب تكلفة التنظيم دون تكلفة غيابه، من تمييز آلي ومحتوى مضلِّل وتآكل للثقة. والتنظيم الرشيد هو ما يبني الثقة التي يحتاجها الناس كي يتبنّوا التقنية أصلاً. أما الرسالة التي لا خلاف عليها فهي أن التنظيم المجزّأ والمتضارب أسوأ من التنظيم الموحّد الواضح.

وهنا تبرز السعودية نموذجاً مختلفاً. فبدلاً من معضلة الـ50 ولاية، تتولى الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) مرجعية وطنية واحدة، بنهج يقوم على المبادئ والمعايير الأخلاقية لا على قوانين جامدة تسبق نضج التقنية. وقد صُنّفت المملكة الأولى عالمياً في استراتيجية الحكومة للذكاء الاصطناعي وفق المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي لعام 2024.

 ويأتي تقرير مؤشر ستانفورد 2026 ليؤكد الصورة: فالسعودية الأولى عالمياً في أمن الذكاء الاصطناعي والخصوصية والتشفير، وفي تمكين المرأة في هذا المجال، وقد سجّلت أسرع نمو عالمي في حصة الكفاءات المتخصصة بأكثر من 100% بين 2019 و2025، فيما يستخدم أكثر من 80% من موظفيها الذكاء الاصطناعي بانتظام مقابل متوسط عالمي يبلغ 58%.

ولم تبقَ الطموحات حبراً على ورق؛ فقد احتلت المملكة المركز العاشر عالمياً في الاستثمار الخاص بالذكاء الاصطناعي عام 2025 بقيمة 2.03 مليار دولار، وأقرّ مجلس الوزراء تسمية 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي.

وتستهدف شركة "هيوماين" المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة بناء 1.9 جيجاواط من سعة مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي بحلول 2030. وقد أشار متحدثو المنتدى إلى أن المملكة تملك مقومات تنافسية فريدة، من الطاقة ورأس المال إلى المساحات الشاسعة، تعزز قدرتها على استقطاب استثمارات الاقتصاد الرقمي.

ومع ذلك، يذكّرنا الدرس الأمريكي بـ3 أمور. أولها أن وحدة المرجعية التنظيمية ميزة تنافسية ينبغي صونها. وثانيها أن أي تنظيم مستقبلي يجب أن يُقاس أثره الاقتصادي مسبقاً، وأن يراعي المنشآت الصغيرة والمتوسطة. وثالثها أن شركاتنا العاملة عالمياً ستتأثر بقواعد يضعها غيرنا، ما يستدعي حضوراً سعودياً فاعلاً في صياغة المعايير الدولية. ويُضاف إليها ما خلص إليه المنتدى من أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا يكتمل دون استثمار موازٍ في تأهيل الإنسان.

الذكاء الاصطناعي فرصة نادرة، والتنظيم ضرورة لا مفر منها. والسؤال ليس: هل ننظّم؟ بل: كيف ننظّم بذكاء؟ وإذا كانت فلوريدا تحذّر من خطأ قد يُقاس بالمليارات، فإن المؤشرات السعودية تقول إن الطريق الصحيح ممكن: تنظيم واضح وموحّد يحمي الإنسان، ويجذب المستثمر، ويصنع المستقبل.

مدير مركز رياميديا للاتصال والعلاقات العامة، مدير تحرير في عرب نيوز ومجلة المجلة اللندنية سابقا، ومستشار إعلامي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية