دانية أركوبي
بين ساعة وأخرى أصبح الذهب والفضة عرضة لصدمات سعرية بمعدلات غير معهودة. ليلة السبت 31 يناير كانت شاهدة على صفعة قوية للقطاع، انهارت الفضة بأكثر من 30% في غضون ساعات، والذهب بنحو 10%، وفقدت الأسواق أكثر من 7 تريليونات دولار. هذا الانهيار كان درساً قاسياً للمتداولين في الملاذات الآمنة، فقفزة الأصل نتيجة المضاربة، ارتد بسرعة تفوق صعوده كجزء من موجه تصحيح وتوجه المستثمرين لجني الثمار.
ما كان منطقياً بالأمس في سوق يلجأ إليه الأفراد لحفظ مدخراتهم من التضخم وصدمات التجارة والجيوسياسة، أصبح اليوم عشوائياً وأكثر تقلباً وانتقلت إليه عدوى الأصول عالية المخاطر. فالملاذات الآمنة وبخاصة الذهب هي انعكاس لأوضاع اقتصادية سائدة، فالاستقرار في بيئة الأعمال، واستدامة النمو الاقتصادي، واستقلالية البنوك المركزية، وتضخم تحت السيطرة يعني انحسار الطلب على الذهب والفضة، والعكس صحيح.
قد يعطينا الصعود السريع في أسعار الذهب والفضة مؤشرا على تغيرات هيكلية في محددات الطلب. فالبنوك المركزية تواصل الشراء بدعم من الأسواق الناشئة في آسيا والشرق الأوسط، مع اختلاف الدوافع، منهم من يريد تنويع احتياطاتها وبناء جدار أمام الصدمات المستقبلية كالتضخم وانهيار العملات المحلية. ومنهم من تحركه رغبته في بناء نظام نقدي ومالي جديد لا يكون محوره عملة بعينها، وآخر يتحوط من عقوبات اقتصادية قد تطاله في المستقبل بسبب تحركات سياسية أو نزاعات عسكرية.
شركات إدارة الأصول والصناديق الاستثمارية دخلت على الخط وباتت معادلة مهمة في الطلب على الذهب والفضة. انخفاض العوائد على أدوات الدين الحكومية مع تراجع أسعار الفائدة، بجانب الاضطرابات في أسواق السندات بسبب التغيرات في السياسة النقدية في اليابان، ومخاطر الاستقلالية للبنوك المركزية، إضافة إلى الصعود السريع للملاذات الآمنة، جعل منها خيارا مفضلا ومكونا رئيسيا في المحفظة الاستثمارية لمديري الأصول.
يبدو هذا الجزء الصحي من الطلب في السوق، الذي يدفع الأسعار للتحرك في نطاق طبيعي، وفي إطار تقييم واضح للمخاطر المحيطة. ولكن دخول المضاربة في السوق كان محركا رئيسيا في الصعود والانهيار السريع في مستويات الأسعار. فقد دفعت التدفقات الكبيرة من صغار المضاربين وبخاصة من أسواق مثل الصين إلى فورة في أسعار الذهب والفضة، ومع وصولها إلى نقطة معينة بدأ الانهيار أو ما يمكن أن نطلق عليه التصحيح والرجوع إلى مستويات عادلة.
موجه التصحيح هذه على الرغم من قسوتها على كثير من المندفعين للسوق بهدف الاستفادة من ارتفاع الأسعار وتحقيق مكاسب سريعة. إلا أنها تمثل في جوهرها وضعا صحيا لقطاع بنى أسطورته على شعار الاستقرار والتحوط واليقين. فالخسائر التي تعرضت لها صناديق الاستثمار والتحوط ستجعلها تعيد النظر في تقييمها لمخاطر السوق وديناميكيات الأسعار وحركة الطلب.
الاضطرابات التي شهدتها الأسعار لا تؤثر في التوقعات الإيجابية لأسعار الذهب على المدى القصير والمتوسط. فتخطي الذهب لحاجز 6 آلاف دولار في العام الحالي ليس مستبعداً، واضطرابات الاقتصاد والجيوسياسة يضيفان المصداقية على هذه التوقعات. فالطلب الحقيقي من البنوك المركزية ومؤسسات الاستثمار يستمر في النمو. والمدخرات العائلية في الأسواق الناشئة والمتقدمة تتسرب من الودائع المصرفية إلى سبائك الذهب والفضة، ومع ثبات معدلات العرض ممثلة في إنتاج المناجم والتكرير فإن الأسعار ستستمر في طريقها لكسر جميع الأرقام القياسية.
هذا الواقع ليس مثاليا للاقتصاد الحقيقي، فالبنوك والصناديق صارت تتخلى عن السندات الممولة لخطط الحكومات لحيازة الذهب منعدم القيمة المضافة للاقتصاد. والمستثمرون يهجرون أسواق الأسهم للاستفادة من فورة الملاذات الآمنة. والعائلات أصبحت تجمد مدخراتها في مشغولات وسبائك لا توظف ولا تستهلك ولا تنعش النمو الاقتصادي.
في الختام كانت تقلبات أسعار الذهب والفضة في بداية العام أكثر إثارة من كثير من مباريات كرة القدم. فقد تحول كلا المعدنين إلى حديث الساعة، من أروقة وول ستريت إلى اجتماعات صانعي السياسات في دافوس وصولاً إلى جلسات الأصدقاء على المقاهي. مع ارتباط مباشر بحركة للأموال والمدخرات من أصل إلى آخر. ولكن موجة التصحيح التي تبعت الارتفاع ذكرت الجميع بقواعد السوق، وأن هذه المعادن وجدت لتوفر الاستقرار واليقين وليس المضاربة.
مستشارة اقتصادية
