أحمد الشهري
تشهد السعودية في السنوات الأخيرة تحولاً اقتصادياً هيكلياً غير مسبوق، يهدف إلى الانتقال من اقتصاد يعتمد بشكل أساسي على النفط إلى اقتصاد متنوع ومستدام، فقد سعى صناع السياسات الاقتصادية إلى تصميم إستراتيجية تنويع اقتصادي تقلل الاعتماد على قطاع النفط من خلال تنمية قطاعات واعدة مثل: السياحة، التصنيع، اللوجستيات، التكنولوجيا، والتعدين، والخدمات، ويهدف هذا النهج إلى خفض المخاطر الناتجة عن تقلبات أسعار النفط وتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد. بلغت حصة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 56%، ما يُظهر تحولاً هيكلياً حقيقياً وتقدماً كمياً ملموساً في عدة قطاعات رئيسية.
استقبلت السعودية 122 مليون سائح محلي ودولي في 2025، بزيادة 5% عن العام السابق، وبلغ إنفاق السياحة الإجمالي 300 مليار ريال بارتفاع 6%، فيما وصل الإنفاق الدولي إلى 159.9 مليار ريال بنمو 4.1%، وارتفعت مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي إلى 5%.
حققت الصادرات غير النفطية قفزة نوعية، حيث بلغت 624 مليار ريال (نحو 166.4 مليار دولار)، بنمو أكثر من 15% عن 2024، وارتفعت حصتها من إجمالي الصادرات إلى 44% (أعلى مستوى تاريخياً)، وتتصدر السعودية دول مجموعة العشرين في نمو الصادرات غير النفطية.
أما قطاع التصنيع (باستثناء تكرير النفط)، فقد سجل نمواً بنسبة 3.02% في 2024، ومع استمرار الزخم ارتفعت مساهمته في الناتج المحلي إلى 11.1%، كما شهدت صادرات الآلات والمعدات والمنتجات الغذائية والزراعية نمواً ملحوظاً.
وارتفعت مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي إلى نحو 16% في 2024، مدعوماً بجذب مئات الشركات العالمية لتأسيس مقراتها في الرياض، ويتواصل الاستثمار الكبير في الطاقة المتجددة بهدف الوصول إلى 50% من إنتاج الكهرباء، مع تطوير قطاع التعدين كركيزة جديدة للتنويع.
شهد الاستثمار الأجنبي المباشر تدفقات قوية، حيث ارتفع إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 13% على أساس سنوي ليصل إلى أكثر من 1.099 تريليون ريال (نحو 293 مليار دولار)، كما ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الإجمالي بنسبة 19% ليبلغ 3.32 تريليون ريال (نحو 885.33 مليار دولار) بنهاية 2025.
أسهم هذا التحول في تحقيق نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.5% خلال 2025، حيث أصبح القطاع غير النفطي المحرك الرئيسي للنمو حتى في أوقات انخفاض إنتاج النفط (كما حدث في 2024 بسبب تخفيضات أوبك+) وبهذا يحمي الاقتصاد من الصدمات الخارجية، ويخلق فرص عمل أكثر استدامة، ويرفع الإيرادات الحكومية غير النفطية.
وفي الختام: يُعد التنويع الاقتصادي الكمي الذي حققته السعودية إنجازاً وطنياً تاريخياً، لم يعد مجرد أرقام، بل قاعدة صلبة لبناء اقتصاد أكثر قوة ومرونة. واليوم يفتح هذا النجاح الباب واسعاً أمام مرحلة أكثر طموحاً: التنويع النوعي، الذي يركز على رفع مؤشر التعقيد الاقتصادي (ECI)، وزيادة الإنتاجية، وتعزيز الابتكار، وتطوير الصناعات ذات القيمة المضافة العالية.
فالمستقبل يحمل تحولات أعمق في الاقتصاد المعرفي، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والصناعات المتقدمة، وبهذا النهج الإستراتيجي المدروس، ستستمر السعودية في تعزيز نموها المستدام، ترسيخ مكانتها كاقتصاد رائد عالمياً، وتحقيق ازدهار شامل للأجيال المقبلة، التنويع ليس مجرد هدف ... بل هو طريق الريادة والازدهار.
اقتصادي في السياسات الاقتصادية وإدارة إستراتيجيات الأعمال والشراكات الإستراتيجية.
