الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

ما وراء الأرقام تتشكل قصة ميزانية السعودية

دانية أركوبي
الخميس 4 ديسمبر 2025 11:37 |3 دقائق قراءة

دانية أركوبي

كما هي العادة في نهاية كل عام أقرت الحكومة السعودية ميزانية 2026، محملة بمزيد من التفاؤل على مسار تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، وتوجسات من تأثير التقلبات العالمية وارتفاع أسعار الفائدة على خطط التحول الاقتصادي.

تتوقع السعودية في ميزانيتها الجديدة تحقيق إيرادات تصل إلى 1.15 تريليون ريال، بمعدل نمو يتجاوز 5% مقارنة بعام 2025. النفقات من المتوقع أن تنخفض في 2026  إلى 1.31 تريليون ريال مقارنة بـ1.34 تريليون في 2025. تشير التوقعات أن العجز المالي سيهبط إلى 165 مليار ريال مقارنة بـ245  مليارا في 2025. 

ما وراء الأرقام تتشكل قصة الميزانية. فالسعودية التي كانت تعتمد بصورة أساسية على إيرادات النفط لتغطية نفقاتها أصبحت في وضع مختلف، في 2025 تشير التوقعات إلى أن الإيرادات غير النفطية ستشكل 46% من إجمالي الإيرادات العامة، مقارنة بنحو 27% في 2015. كانت الرؤية عاملا محوريا في قيادة التحول. من السياحة إلى الترفيه والرياضة، ومن التصنيع إلى الأنشطة المالية كلها قطاعات صارت تشكل معادلة مهمة في هيكل الاقتصاد السعودي، ومصدر أساسي لتحقيق الاستدامة المالية والمرونة الاقتصادية في مواجهة الصدمات المحلية والدولية.

من منظور الإنفاق، فتطورات وخطط المملكة الطموحة للتحول الاقتصادي دفعتها لرفع الإنفاق على قطاعات إستراتيجية، تبدأ من التوسع في البنية التحتية ولا تنتهي عند الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والدفاع وسلاسل الإمداد الحيوية. بجانب الحفاظ على مستويات متقدمة من الإنفاق تضمن كفاءة وجودة الخدمات الأساسية للمواطنين مثل الصحة والتعليم والتنمية الاجتماعية.

وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي لعام 2024 فإن السعودية تتمتع بمعدلات دين حكومي من الأقل بين دول مجموعة العشرين، حيث تأتي في المرتبة الثالثة بعد روسيا وتركيا. هذا المؤشر يعد رسالة طمأنينة لكل المتوجسين من ارتفاع معدل الدين المحلي. فالمرونة التي أبداها الاقتصاد، وقوة القطاع الخاص، وظهور قطاعات منافسة في حجم الإيرادات للقطاع النفطي، إضافة إلى الاحتياطيات النقدية، بجانب مؤشرات التضخم المستقرة عند مستهدفاتها تجعل السعودية في وضع مالي قوي ومستقر.

وفي ظل نمو مستدام في الأنشطة غير النفطية، وتدفقات الاستثمار الأجنبي والعوائد الاقتصاية من الاستثمارات الحكومية في المشاريع الكبرى والأحداث العالمية مثل كأس العالم 2034 وأكسبو 2030. بجانب التوسع الصناعي ونمو الصادرات غير النفطية. وتحسن التشغيل وقوة الاستهلاك المحلي، ستتمكن المملكة من الوفاء بالتزامتها المالية والمضي قدماً في خطط التطوير.

على المدى القصير تبقى الصدمات العالمية الجيوسياسية والتجارية والاقتصادية من أهم التحديات المحيطة باقتصاد السعودية. حيث تعطل الصدمات جهود التعافي العالمي، ما يخفض الطلب على الصادرات السعودية المهمة مثل النفط والبتروكيماويات، التي تشكل جزءا من إيرادات الميزانية. ولكنها تمثل فرصة للسعودية أيضا، فضعف الثقة في الاقتصادات الكبرى يدفع الاستثمار والشركات للبحث عن مراكز جديدة للإنتاج التصدير. ونظراً لما تتمتع به من استقرار وموقع جغرافي وبيئة أعمال ذات كفاءة، فإنها مرشحة بقوة لتكون مركزا استثماريا وماليا في المنطقة.

على المدى المتوسط، من المهم أن تبدأ الاستثمارات الحكومية في الانسحاب من السوق لمصلحة القطاع الخاص المحلي والاستثمار الأجنبي في شتى القطاعات. مع الاستمرار في طرح الشركات المملوكة للدولة في أسواق المال، بما يوفر مصادر إيرادات بديلة للميزانية، ويجذب تدفقات استثمارية تنشط الاقتصاد.

التركيز الاستثماري من الأفضل أن ينصب على القطاعات الإستراتيجية الحيوية مثل التكنولوجيا وتقنيات الذكاء الاصطناعي والصناعات العسكرية، مع ضرورة تطوير بيئة الأعمال وإعادة بناء منظومة الحوافز المالية والضريبية لتشجيع الاستثمار والتوسع. بجانب بناء منظومة متكاملة تكون مهمتها رفع كفاءة الاقتصاد عبر التركيز على البحث والتطوير ومخرجات التعليم. بما يسهم في رفع القيمة المضافة للاقتصاد. مع أهمية الاستفادة من التجارب الصاعدة لدول صاعدة مثل الصين.

في الختام يتمتع الوضع المالي للسعودية بالاستقرار رغم الضغوطات المحلية والخارجية. فخطط التنويع تسير بمعدلات سريعة، وطفرة الإنفاق تقترب من انتهاء دورتها، وتدفقات الاستثمار الأجنبي في تحسن مستمر. وصدمات أسعار النفط لم تعد مقلقة ويمكن التكيف معها. وبنظرة مستقبلية تبدو أوضاع الميزانية مطمئنة مع بدء تدفق عوائد المشاريع والاستثمارات الكبرى، والاستفادة من قطاعات سريعة النمو مثل السياحة والترفيه والتصنيع والتكنولوجيا.

مستشارة اقتصادية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية