الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

بعد مرور 22 دقيقة من مباراة كندا ضد قطر في دور المجموعات 18 يونيو، بدأ الجمهور الكندي بإطلاق صيحات الاستهجان. لم يكن اعتراضهم على قرار الحكم، ولا على هجمة الخصم، بل على فترة الراحة الإلزامية لشرب الماء لمدة 3 دقائق. كانت كندا متقدمة بالفعل بنتيجة 6-0، وكان استياؤهم موجهًا بشكل مباشر إلى هذا التوقف

 فرض الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) فترات الراحة الإلزامية لشرب الماء في كأس العالم 2026 تحت ذريعة "إجراءات رعاية اللاعبين". وأصر رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو، على أن القرار رياضي بحت، وليس تجاريًا، مُشيرًا إلى أنه "لا توجد إيرادات إضافية للفيفا" لأن اتفاقياتها التجارية وُقعت مُسبقًا

 إن الأساس العلمي لهذه الفترات صحيح. حذر باحثون من أن نحو ربع مباريات كأس العالم الحالية قد تُقام في درجات حرارة تتجاوز الحدود الآمنة التي أوصى بها اتحاد اللاعبين المحترفين (فيفبرو).

ولذلك، تُعدّ فترات الراحة هذه، عند الحاجة إليها، إجراءً مُرحّباً به من وجهة نظر سلامة اللاعبين. لكن الأهم من ذلك، أنها أصبحت إلزامية في جميع مباريات كأس العالم البالغ عددها 104 مباريات، حيث تم توحيدها وجدولتها بدقة متناهية، وتطبيقها بغض النظر عن درجة الحرارة أو الظروف المحيطة. ويتم تطبيقها حتى في أمسية معتدلة الحرارة (20 درجة مئوية) أو داخل ملعب مُكيّف

 ينتقد مدرب إنجلترا، توماس توخيل، فترات الراحة الإلزامية لشرب الماء. وقد وحّد هذا التوحيد آراء النقاد الذين نادراً ما يتفقون. فقد صرّح مدرب أوروغواي، مارسيلو بيلسا، بأن فترات الراحة لشرب الماء لا تُضيف شيئاً إلى اللعبة

 بينما قال مدرب إنجلترا، توماس توخيل، إنها تُغيّر من طبيعة المباراة وتُفقدها زخمها. ووصفتها صحيفة الغارديان بأنها "فترات استراحة إعلانية" تُحوّل كرة القدم إلى إيقاع أمريكي سريع. للمنتقدين وجهة نظر وجيهة. تحوّل إجراءٌ أُدخلَ لأغراض السلامة إلى ميزةٍ دائمةٍ تُغيّر طريقة لعب كرة القدم، وتُضيف في الوقت نفسه مساحاتٍ إعلانيةً إضافيةً متوقعةً في كل مباراة. تعرّف على كيف يُغيّر الذكاء الاصطناعي المجتمع، من خلال نشرتنا الإخبارية الأسبوعية. الرجاء إدخال بريدك الإلكتروني...

تشير التوقعات إلى أن فترات الاستراحة لشرب الماء ستُدرّ أكثر من 250 مليون دولار أمريكي (189 مليون جنيه إسترليني) في الولايات المتحدة وحدها، وما يُقدّر بمليار دولار أمريكي على مستوى العالم.

من الناحية الفنية، إن إنفانتينو مُحقٌّ في أن الفيفا لا تجني أي ربحٍ مباشرٍ من هذه الفترات، لكن القيمة الإضافية التي تُقدّمها قد تجعل حقوق البثّ أكثر ربحيةً في المرة القادمة. ما مدى سيطرة الفيفا على بطولتها؟ إنّ القلق أعمق من مجرد فقدان زخم المباراة أو التكتيكات.

في مؤتمرٍ صحفيٍّ قبل البطولة في مكسيكو سيتي في 10 يونيو، سأل الصحفي دان روان من BBC إنفانتينو مباشرةً عمّا إذا كان قد "فقد السيطرة على بطولته". ردّ إنفانتينو على ذلك بدعوة الصحفيين إلى "الاسترخاء". تُعدّ فترة التوقف لشرب الماء مثالاً على نمط أوسع: فالفيفا حازمة في تنظيم البطولة، لكنها تفرض قيوداً متزايدة على الظروف المحيطة بها. في الأيام الافتتاحية للبطولة، مُنع الحكم الصومالي عمر أرتان من دخول الولايات المتحدة رغم حيازته تأشيرة سارية. وردّت الفيفا بأنها غير معنية بإجراءات الهجرة في الدولة المضيفة.

وبالمثل، أُجبر المنتخب الإيراني على المبيت في المكسيك، ولم يعبر الحدود إلا في أيام المباريات. في الوقت نفسه، مُنع مشجعو هايتي وإيران وساحل العاج والسنغال، وهي جميعها دول مؤهلة، من الدخول بسبب حظر سفر صارم استثنى اللاعبين دون المشجعين. يبدو أن الفيفا عاجزة عن ضمان وصول الجميع إلى البطولة، فهي تُفضّل في الأغلب عدم التشكيك في السلطات السيادية التي تعتمد عليها البطولة. ويشكك المحللون في جدوى فترات التوقف الإلزامية لشرب الماء.

وقد انعكست هذه المشكلات التنظيمية أيضاً على تسعير التذاكر، حيث استخدمت الفيفا، ولأول مرة، نظام تسعير ديناميكي قائم على الطلب، إلى جانب منصتها الرسمية لإعادة بيع التذاكر.

وصلت أسعار تذاكر مباريات دور المجموعات العادية إلى آلاف الدولارات. وأفاد بعض المشجعين أن بعض التذاكر بيعت بسعر يصل إلى 10,990 دولارًا للمباراة النهائية، وقد استدعى المدعون العامون في نيويورك ونيوجيرسي الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بناءً على شكاوى تفيد بتضليل المشجعين وتضخيم الأسعار.

تواجه كرة القدم العالمية خطر أن تصبح باهظة الثمن وغير متاحة لكثيرين. ويبدو أن الفيفا تُحكم قبضتها على ما يمكنها استثماره، حتى مع تهديد البطولة بفقدان سيطرتها في جوانب أخرى. ويُظهر الأثر البيئي للبطولة هذا القيد بوضوح. فبإمكان الفيفا اختيار الملاعب، وجدولة المباريات، وتطبيق بروتوكولات التبريد، لكن لا يمكنها تقليص مساحة قارة بأكملها.

ويتوقع الباحثون أن معظم انبعاثات البطولة ستأتي من السفر، وخاصة الرحلات الجوية، حيث تشير إحدى التقديرات إلى ما يقارب 7.8 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون. ويُساعد إعادة استخدام الملاعب القائمة، لكن بطولة تضم 48 فريقًا و104 مباريات في 16 مدينة و3 دول لا تزال تعتمد على الطيران. إن القول بأن الفيفا جشعة ببساطة يتجاهل كيفية توزيع السلطة؛ والقول بأن كرة القدم تُصبح "أمريكية" فحسب – بأسعار باهظة

يبدو أن سلطة الفيفا أصبحت انتقائية. فهي تُمارس نفوذًا واسعًا على فعاليات يوم المباراة، وبيع التذاكر، والاهتمام العالمي، لكنها غائبة، أو غير راغبة، في التعامل مع قضايا الحدود، والقدرة على تحمل التكاليف، والمناخ. من المُرجّح أن تتفاقم هذه التوترات. سيُقام كأس العالم 2030 في ست دول و3 قارات؛ أما نسخة 2034 فقد مُنحت، دون منافسة تُذكر، للسعودية - وهي دولة تمتلك العاصمة اللازمة لاستضافة البطولة،.

تُقام بطولة العالم الآن على مستوى عالمي، وتُمنح بشكل متزايد للحكومات القادرة على التمويل وتقديم الضمانات السياسية. السؤال المطروح للعقد القادم ليس ما إذا كانت الفيفا تُدير كأس العالم، بل أيّ أجزاء منها لا تزال تُديرها الفيفا - وأيّها باتت الآن تابعة للدول والأسواق التي تعتمد عليها.

محرر في صحيفة ذا كونفرسيشن المملكة المتحدة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية