الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

ما الذي ينقص الرياضة السعودية لتصبح "أوروبا الشرق الأوسط"؟

بكر الهبوب
الأربعاء 26 نوفمبر 2025 15:38 |3 دقائق قراءة

بكر عبد اللطيف الهبوب

لم تعد الرياضة مجرد متعةٍ عابرةٍ أو مساحةٍ للترفيه. فقد تحولت عالميًا إلى صناعة يتجاوز حجمها 600  مليار دولار، وتستقطب استثمارات كبرى، وتؤثر في الإعلام والسياحة والتقنية وحتى الدبلوماسية. وفي هذا المشهد المتسارع، تتحرك السعودية بثقةٍ لبناء صناعة رياضية عصرية، مستندة إلى منشآت عالمية، واستضافة أحداث كبرى، وتشريعات حديثة كان آخرها نظام الرياضة الجديد، ورؤية إستراتيجية تمنح القطاع دورًا حاسمًا في تنويع الاقتصاد.

ومع ذلك، تكشف التجارب الدولية أن تفوق الدول الرياضية لم يأت من الإنفاق أو الاستضافة فقط، بل من اكتمال سلسلة القيمة الرياضية. فالدوري الإنجليزي، مثلًا، لا يُعد الأقوى في العالم لأنه الأغلى فقط، بل لأنه قائم على منظومة تتكامل فيها المواهب مع الإعلام، والبث مع الرعايات، والإدارة مع التشريعات.

إسبانيا بَنَتْ مجدها من أكاديميات تصنع الموهبة قبل أن تصنع النجم، وبريطانيا رفعت قيمة دوريها من خلال تحويل حقوق البث إلى صناعة تُصدَّر عالميًا. أما الولايات المتحدة فحوّلت الرياضة إلى اقتصاد مكتمل يستثمر في الطب الرياضي، والإحصاء المتقدم، والحوكمة المالية، والملكية الفكرية، والمحاكم الرياضية.

سر التفوق هناك بسيط وعميق في آن واحد فكل حلقةٍ تغذي الأخرى. فالموهبةُ ترفع قيمة الدوري، والدوري القَوي يرفع قيمةَ البثِ، والبثُ يجلب الرعايات، والرعايات تبني نماذج مالية مستقرة، والمنظومة القانونية تحفظ هذا البناء وتمنحه القدرة على التوسع.

وهكذا تصبح سلسلة القيمة الرياضية أشبه  بـ"DNA" واحد؛ نقص عنصر واحد فيه كفيلٌ بإبطاء نمو العناصر الأخرى مهما بَلَغَ حجم الاستثمار. فلا يكفي وجود التشريع دون الإعلام، ولا التمويل دون المواهب، ولا البنية التحتية دون حوكمة دقيقة.

وفي السعودية، ورغم التحولات الكبيرة، تبرز نقاط عمياء تحتاج إلى إضاءة حتى تكتمل القصة. فصناعة المواهب لا تزال في بداياتها رغم المبادرات الواعدة، وتحتاج إلى أكاديميات تربط التعليم بالرياضة وتنتج خط إمداد دائم من الرياضيين المحترفين. كما أن الحوكمة الرياضية تحتاج إلى مزيد من التطوير داخل الأندية، وتحسين أساليب الإدارة، وضمان حقوق الأقلية، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص في البناء والتشغيل وإدارة البنية التحتية، بما يتوافق مع مرحلة الخصخصة المقبلة.

وتبرز كذلك الحلقة التجارية في سلسلة القيمة؛ إذ تحتاج السوق إلى استثمار أعمق في الرعايات، والحقوق الإعلامية، والملكية الفكرية للعلامات الرياضية، أسوةً بالدوريات العالمية التي رفعت إيراداتها من تحويل الدوري نفسه إلى منتج اقتصادي قابل للتصدير.

أمَّا العدالة الرياضية، فهي أحد المكوّنات التي لا يمكن أن تتشكل صناعة ناضجة بدونها. فالسعودية تحتاج إلى برامج تأهيل واسعة للمحامين والمحكّمين الرياضيين، وإلى تطوير منظومة تشريعية تسد الفجوات، وإيجاد محاكم أو دوائر مختصة تتعامل مع خصوصية طبيعة عقود اللاعبين، والنزاعات الفنية، ومخالفات المنشطات، والطب الرياضي، إضافةً إلى بناء سوابق قضائية واستقطاب خبرات دولية وحضور سعودي أقوى في محكمة التحكيم الرياضية.

وهكذا، يبدو الطريق السعودي نحو صناعة رياضية عالمية ممهدًا بالرؤية والاستثمارات والطموح، لكنه لا يزال يحتاج إلى إضاءة الزوايا التي قد تُبطئ المسار. فالصناعات الكبرى لا تنهض بالأحداث الكبرى وحدها، بل باكتمال حلقات سلسلة القيمة التي أثبتت التجارب أنها معيار النجاح الحقيقي. وعندما تُسد هذه الفجوات - من المواهب إلى الحوكمة، ومن الحقوق التجارية إلى العدالة الرياضية- ستقترب المملكة من لحظتها الحاسمة: لحظة أن تتحول الرياضة من مشروع واعد إلى قوة اقتصادية مكتملة، وتصبح السعودية فعلاً "أوروبا الشرق الأوسط".

مستشار قانوني

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية