لا تتحدد تكلفة الاقتراض بالنسبة للشركات في البلدان النامية بجدارتها الائتمانية فحسب، بل تتشكّل أيضاً تحت وطأة عوامل خارجة كلياً عن سيطرتها. فالشركات في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل تدفع في المتوسط نقطتين مئويتين إضافيتين في الفائدة الحقيقية مقارنةً بنظيراتها في البلدان الغنية. وحين تتراكم هذه الفجوة على مدى السنوات وعبر آلاف الشركات، تتحول إلى عبء هائل على تنمية القطاع الخاص وتوفير فرص العمل.
لكن على الرغم من هذه المعرفة الراسخة بأهمية أسواق رأس المال، فإن فهمنا لآليات تسعير الدين فيها ظل محدوداً بشكل لافت. فقد كان تحليل تسعير الدين إلى مكوناته وتحديد الوزن النسبي لكل عنصر أمراً عسيراً في غياب البيانات اللازمة لإجراء ذلك بدقة.
جدير بالاعتبار أن هناك بحثا جديدا يقترب خطوة من إزالة تلك الفجوة المعرفية. فاستناداً إلى أكثر من 330 ألف إصدار من السندات أطلقتها أكثر من 50 ألف شركة في الأسواق المحلية والدولية على مستوى 138 بلداً بين عامَي 1990 و2024، يرسم هذا البحث صورة تجريبية شاملة ودقيقة للعوامل التي تحرك تكاليف الاقتراض.
تحليل تباين العوائد الحقيقية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل
أولا: سياسة الاقتصاد الكلي وحساب رأس المال. تلجأ حكومات البلدان النامية أحياناً إلى تقييد مشاركة المستثمرين الأجانب في أسواق سنداتها المحلية، للحماية من التدفقات المالية (الخارجة والداخلة) المفاجئة والمزعزعة للاستقرار. وهذا الحذر مفهوم، غير أن له ثمن. ومع تراجع عدد المقرضين المتنافسين على تمويل الشركات، ترتفع تكلفة الاقتراض عليها.
كشفت الأبحاث عن أن البلدان التي فتحت أسواقها أمام المستثمرين الأجانب شهدت انخفاضاً في تكاليف الاقتراض الدولي للشركات بمتوسط 1.2 نقطة مئوية. وفي البلدان النامية السبعة والأربعين الأقل انفتاحاً على الأسواق المالية، كان من شأن ذلك توفير نحو 78 مليار دولار من مدفوعات الفوائد على مدى السنوات العشر الماضية. ولا شك أن فتح حساب رأس المال ينطوي دائماً على خيارات متنوعة ويتوقف على السياق الخاص بكل بلد، غير أن هذه الأبحاث توضح بجلاء تكلفة إبقاء الأسواق مغلقة أمام الشركات.
للاقتراض الحكومي أهمية أيضاً. فتكاليف اقتراض الشركات تُحدَّد قياساً بما تدفعه الحكومات على سنداتها، ما يعني أن ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي يُفضي حتماً إلى ارتفاع مماثل في تكاليف تمويل الشركات. وقد كشفت الأبحاث عن أن ارتفاع عوائد السندات الحكومية بمقدار نقطة مئوية واحدة يزيد تكلفة اقتراض الشركات بمقدار 76 نقطة أساس، ما يظهر مدى تأثير ضعف إدارة العامة على مزاحمة المقترضين من القطاع الخاص ورفع تكلفة الاستثمار التجاري.
ثانيا: بناء قاعدة مستثمرين محلية راسخة. تشهد البلدان التي تتحوّل إلى أنظمة التقاعد مسبقة التمويل إقبالاً متزايداً من الشركات على أسواق السندات لأول مرة. وبالنسبة للجهات المُصدِرة المستقرة، تتراجع تكاليف الاقتراض بنحو 150 نقطة أساس خلال السنوات الأربع التالية لإصلاح منظومة التقاعد. وتُشير التقديرات إلى أن إصلاح المعاشات التقاعدية وفّر للشركات المقترضة، على مدى السنوات العشر الماضية، أكثر من 25 مليار دولار في مدفوعات الفوائد المتعلقة بالإصدارات المحلية وحدها.
ويُشكّل سوق رأس المال المحلي المزدهر درعاً يعطي حماية جزئية تقي الشركات المحلية تقلبات أحوال التمويل العالمية. فحين يرفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة بمقدار نقطة مئوية واحدة، ترتفع تكاليف الاقتراض لدى الشركات في البلدان النامية بمقدار 47 نقطة أساس للشركات المُقترِضة في الأسواق الدولية، في حين لا يتجاوز هذا الارتفاع 10 نقاط أساس فقط لتلك التي تقترض محلياً.
ثالثا: حوكمة الشركات والشفافية. لا تقف الشركات موقف المتلقّي السلبي لأسعار الفائدة التي تُحدّدها أسواقها وحكوماتها، بل يلعب سلوكها أيضا دوراً حاسماً في هذه المعادلة. وقد رصدت الأبحاث أن الشركات غير المسجلة في البورصة في البلدان النامية تتحمّل تكاليف اقتراض دولية أعلى بمقدار 84 نقطة أساس مقارنةً بنظيراتها المسجلة في البورصة، ويعود ذلك في معظمه إلى أن المستثمرين يشترطون معلومات موحّدة وموثوقة قبل اتخاذ قرار الإقراض. وعلى نطاق أوسع، تتسم البلدان التي تُطبّق متطلبات إفصاح أكثر صرامة — كالقوائم المالية المدققة وهياكل الملكية الشفافة بتكاليف اقتراض أدنى للشركات وقدرة أعلى على النفاذ إلى أسواق السندات.
لقد أدركنا على أرض الواقع أن تكلفة رأس المال تمثّل عاملاً مهماً. لكن بوسعنا اليوم أن نحدد بدقة أكبر أي العوامل أشد تأثيراً في التسعير، وأي التغييرات يمكن أن تخففها. فعند فتح حسابات رأس المال على نحو يتسم بالحيطة والحذر والحكمة، وإصلاح أنظمة التقاعد المحلية، وإدارة الدين السيادي بمسؤولية، يمتلك صانعو السياسات أدوات فعّالة لتقليص الحواجز المالية أمام نمو القطاع الخاص بصورة منهجية. وكل نقطة أساس تُخفَّض تعني رأس مال مُحرَّراً لتوليد الوظائف ودفع عجلة الابتكار وتوسيع نطاق الأعمال. والأدوات الكفيلة بإطلاق هذه الإمكانات معروفة، وتظل إرادة الحكومات والقطاع الخاص هي الكفيلة بتوظيفها.
المدير بالإنابة لإدارة الأسواق الخاصة لدى مجموعة البنك الدولي
مدير إدارة الأسواق الخاصة لدى مجموعة البنك الدولي
