نايف الدندني
شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وحكومة فنزويلا تحت قيادة الرئيس نيكولاس مادورو تصعيداً ملحوظاً وسط عقوبات اقتصادية واتهامات متبادلة وتوترات جيوسياسية. فمنذ أن رفضت الولايات المتحدة نتائج الانتخابات الرئاسية الفنزويلية لعام 2024 معتبرة إياها مزورة وأدت إلى عدم الاعتراف بشرعية الولاية الـ3 لمادورو في يناير 2025 والعلاقات في تدهور مستمر.
فنزويلا التي لُقبت بملكة الاحتياطيات النفطية في العالم ورغم الاختلافات والخلافات في دقة أرقام الاحتياطيات الفنزويلية التي أرى أنها ضُخمت وقفزت بالدولة اللاتينية لقمة مالكي الاحتياطيات العالمية إلا أن ذلك لا ينفي وجود احتياطيات مهمة في الدولة اللاتينية والتي تملك أيضاً تاريخاً مهماً في الصناعة النفطية، فهي أحد الدول المؤسسة لمنظمة أوبك خلال مؤتمر بغداد في سبتمبر 1960 إلى جانب السعودية وإيران والعراق والكويت الذي كان يهدف إلى تنسيق السياسات النفطية حيث لعب خوان بابلو بيريز ألفونزو وزير المناجم والهيدروكربونات الفنزويلي آنذاك دوراً حاسماً في تأسيس المنظمة ويُعتبر أحد أبرز مؤسسيها.
بعدها شهدت السبعينيات ذروة دور فنزويلا في الصناعة العالمية وأصبحت أغنى دولة في أمريكا اللاتينية للفرد الواحد بفضل الازدهار الذي حققه إنتاجها النفطي.
وأخيراً فرضت الولايات المتحدة عقوبات واسعة على قطاع النفط الفنزويلي زادت شدتها في 2015 وتصاعدت وتيرتها في 2017 تحت إدارة ترمب الأولى بحظر التعامل مع شركة النفط الفنزويلية الوطنية ومصادرة أصول فنزويلية مثل الذهب والأصول المجمدة في الخارج، هذه العقوبات لم تقتصر على الأنشطة النفطية بل شملت حظر تصديره إلى دول أخرى ما دفع فنزويلا إلى الاعتماد على الصين كأكبر مشترٍ حيث تشتري أكثر من 90% من الصادرات النفطية .
في هذا العام أدى إعادة فرض العقوبات إلى انخفاض إنتاج فنزويلا إلى مستويات قياسية منخفضة، حيث يبلغ الإنتاج الحالي أقل من 10% من قدرته السابقة وذلك بسبب نقص التقنيات الأجنبية اللازمة لاستخراج النفط الفنزويلي الثقيل الذي يتطلب الكثير من النفقات والاستثمارات الضخمة لاستخراجه.
ترغب الولايات المتحدة الأمريكية في تحقيق هدف مزدوج من فرض العقوبات على النفط الفنزويلي فهي تستهدف الضغط على الاقتصاد الفنزويلي كما تحاول أن تمنع تدفق نفط فنزويلا إلى المصافي الصينية التي تستفيد من 90% من إنتاج فنزويلا.
كما أن مكامن النفط الفنزويلي قد تكون إحدى أهم الجوائز التي سيحظى بها المستثمرون الأمريكيون في حال سُمح لهم بالوصول لها والاستثمار فيها، فالمعارضة الفنزويلية ماريا كورينا خرجت قبل أيام مع ابن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الابن قائلة: "انسوا السعودية، انسوا السعوديين لدينا نفط أكثر منهم لدينا نفط لا ينضب وسنفتح الأسواق وسنمنع الحكومة من السيطرة على القطاع النفطي وسنخصص كامل الصناعة النفطية وقطاع الغاز والمعادن وموارد الأراضي والتكنولوجيا حيث لدينا الموقع الإستراتيجي من النفط الذي يبعد ساعات فقط من شواطئ الولايات المتحدة فنحن نعلم ما سنفعل والشركات الأمريكية لديها الموقع الإستراتيجي للاستثمار في هذه الموارد وستكون هذه الدولة أي فنزويلا الاستثمار المشرق والأكثر لمعاناً للمستثمرين الأمريكيين والشعب الطيب الذي سيحقق الكثير من الأموال من هذا الاستثمار".
الولايات المتحدة بدورها فرضت مكافأة قدرها 50 مليون دولار على رأس مادورو بتهمة الاتجار بالمخدرات، لكن الرئيس الفنزويلي يرى أن الهدف الحقيقي هو النفط، لا المخدرات، هذا يبرز دور النفط كعامل أساسي في هذه التوترات،هذا المورد الإستراتيجي الذي لم يعد مجرد مصدر ثراء سابق وأمل ازدهار مستقبلي لفنزويلا، بل أصبح مصدرا للتوتر وأزمة سياسية واقتصادية بين الجانبين.
خبير إستراتيجي في شؤون الطاقة
