ما الذي يجب أن يحدث لكي يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة الأمريكية؟ لو كانت العوامل الاقتصادية هي الاعتبار الوحيد، لكانت الإجابة على الأرجح "لا شيء يُذكر"
لذا، فإن حقيقة أن النقاش الدائر في السوق حاليًا يدور حول عدد التخفيضات المتوقعة في أسعار الفائدة هذا العام، ينبغي أن تدفع المستثمرين وصناع السياسات على حد سواء إلى التريث. إن مبررات رفع أسعار الفائدة قويةٌ تمامًا في الوقت الراهن، تمامًا كمبررات تعليق التخفيضات والحفاظ على سياسة التيسير النقدي.
بل ربما أقوى. ولكن كما صرّح رئيس الاحتياطي الفيدرالي المنتهية ولايته، جيروم باول، الشهر الماضي، لا يرى أيٌّ من أعضاء لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المكونة من 19 عضوًا والمسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، أن خطوتهم التالية ستكون رفعًا لأسعار الفائدة.
بعد أن استوعب متداولو العقود الآجلة لأسعار الفائدة الرسالة بوضوح، ما زالوا يتوقعون خفضين بمقدار ربع نقطة بحلول ديسمبر، مع احتمال ضئيل لخفض ثالث يُعدّ هذا موقفًا متساهلًا نسبيًا مقارنةً بالبيانات والتوقعات الاقتصادية المقبلة.
البيانات تُبرر موقفًا أكثر توازنًا لنأخذ أرقام الوظائف كمثال. برر الاحتياطي الفيدرالي خفضه للفائدة بمقدار 75 نقطة أساس في أواخر العام الماضي باعتباره "تأمينًا" ضد ضعف سوق العمل لكن أرقام يناير الصادرة الأربعاء تُشير إلى استقرار سوق العمل، كما أشار باول سابقًا. كان نمو الوظائف أقوى بمرتين تقريبًا من المتوقع، وانخفض معدل البطالة، وكان نمو الأجور أسرع قليلًا من المتوقع. بالطبع، هذه ليست الصورة الكاملة. تُظهر المراجعات السنوية للمؤشرات أن الاقتصاد خلق ما يقرب من 900 ألف وظيفة أقل في العام المنتهي في مارس مما كان مُقدرًا، وأن معدل البطالة لا يُعيقه سوى التباطؤ الحاد في نمو المعروض من العمالة.
لكن يبدو أن وضع سوق العمل يستقر، ومعدل البطالة، بغض النظر عن السبب، لا يزال منخفضًا عند 4.3% فقط. إذا كانت مخاطر سوق العمل تتراجع، فما الذي يبرر مزيدا من خفض أسعار الفائدة؟ يتجاوز التضخم هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% بنحو نقطة مئوية واحدة، بعد أن تجاوز هذا المستوى لخمس سنوات متتالية.
في الوقت نفسه، سيُطبّق هذا العام برنامج "قانون واحد كبير وجميل" الذي أطلقته إدارة ترمب، إلى جانب طفرة هائلة في الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي. علاوة على ذلك، تُعدّ الأوضاع المالية الأكثر مرونة منذ سنوات، ويتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي إمكاناته.
وصرح كيفن وارش، مرشح ترمب لخلافة باول، بأن الإنتاجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعد في خفض التضخم وتسمح للاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة. لكن الإنتاجية القوية تعني أيضًا نموًا أسرع، وبالتالي سعر فائدة محايد أعلى، أو ما يُعرف بـ"r-star". وكما قال باول الشهر الماضي، من المرجح أن يكون الاحتياطي الفيدرالي قد وصل بالفعل إلى المنطقة المحايدة أقل من سويسرا.
في ظل السيناريوهات المحتملة، ما الذي قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي نحو رفع أسعار الفائدة؟ أو بعبارة أخرى، ما الذي سيجعل الأسواق المالية تتوقع احتمال أن تكون خطوة الاحتياطي الفيدرالي التالية رفعًا لأسعار الفائدة؟ هل هو ارتفاع التضخم فوق 3%، أم انخفاض معدل البطالة إلى أقل من 4%؟ أم وجود دليل واضح على طفرة في نمو الناتج المحلي الإجمالي؟ يكمن القلق في أن ميل الاحتياطي الفيدرالي الملحوظ نحو سياسة نقدية أكثر تيسيرًا، حاليًا، وبشكل خاص في المستقبل، لا يستند إلى بيانات، بل إلى اعتبارات سياسية.
وقد زادت هجمات إدارة ترمب على البنك المركزي من الشعور بالسيطرة السياسية على المؤسسة، ولن يؤدي استبدال باول بشخصية جديدة عينها ترمب في مايو إلا إلى ترسيخ هذا التصور. لا شك أن ترمب يرغب في خفض أسعار الفائدة. قال ترمب لقناة فوكس بيزنس هذا الأسبوع: "يجب أن نكون صاحب أدنى سعر فائدة في العالم. سويسرا تكاد تكون صاحبة أدنى سعر فائدة.
يجب أن يكون لبلدنا أدنى سعر فائدة في العالم" يبلغ سعر الفائدة المرجعي في سويسرا صفرًا وقد مازح ترمب أخيرا بأنه سيقاضي وارش إذا لم يخفض أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام. ثم قلل ترمب من شأن هذا التعليق معتبرًا إياه دعابة. ولكن بالنظر إلى أن إدارته تسعى لإقالة أحد محافظي الاحتياطي الفيدرالي، وأن وزارة العدل قد فتحت تحقيقًا جنائيًا مع الرئيس الحالي، فلن ينظر الجميع إلى الأمر على أنه مجرد مزاح.
من الواضح أن ترمب لم يكن يمزح في مقابلة مع قناة NBC الأسبوع الماضي، حيث قال إن وارش "لم يكن ليحصل على الوظيفة" لو أشار إلى رغبته في رفع أسعار الفائدة. بالطبع، الرئيس ليس سوى واحد من بين 12 ناخبًا في أي اجتماع للسياسة النقدية، وقد يكون طيف "الصقور والحمائم" في لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية متوازنًا إلى حد كبير هذا العام.
ولا يزال البنك المركزي مؤسسة مستقلة. لكن تبقى الحقيقة أن الأسواق لا تستطيع تحديد احتمالية تغييرات أسعار الفائدة بناءً على البيانات فقط، ويتعين عليها بشكل متزايد أن تأخذ في الحسبان التأثير السياسي المتوقع. وهذا وضع غير مريح لجميع الأطراف المعنية
كاتب متخص في أخبار الأسواق والتمويل في وكالة رويترز
