الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

لوحة مفاتيح الكومبيوتر آخر حصون التفكير في زمن الذكاء الاصطناعي

ديف لي
الأربعاء 20 مايو 2026 11:33 |5 دقائق قراءة

الذكاء الاصطناعي يحول الإملاء إلى نصوص قابلة للاستخدام خلال ثوان

مكاتب المستقبل قد تصبح أقرب إلى قاعات المبيعات منها إلى المكتبات

شركات ناشئة تراهن على استبدال الطباعة بأدوات تحويل الكلام إلى نص

تفويض الكتابة للذكاء الاصطناعي يهدد بتآكل المهارات البشرية

الكتابة العادية تبقي العقل نشطاً وتحمي دور الإنسان في العمل

الخلاصة

تتناول المقالة تراجع استخدام لوحة المفاتيح في الشركات الناشئة بوادي السيليكون لصالح برامج الإملاء المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مما يغير بيئة العمل إلى فضاءات صاخبة. الكاتب يعبر عن تفضيله للكتابة التقليدية حفاظاً على مهارات التفكير والخصوصية، محذراً من تآكل القدرات البشرية بسبب الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

.

يبدو أن هناك اعتقاداً متزايداً بأن لوحة مفاتيح الحاسوب في طريقها إلى الزوال، أو أنها ستتراجع، على الأقل، باعتبارها وسيلة الإدخال الأساسية في العمل.

تناولت كيت كلارك، في صحيفة "وول ستريت جورنال"، اتجاه موظفي الشركات الناشئة التقنية إلى استخدام برامج الإملاء المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحويل تدفقات "مبعثرة" من الوعي إلى "نص مترابط وقابل للاستخدام خلال ثوان".

كتبت كلارك: "في أنحاء وادي السيليكون، يُعاد تشكيل العمل؛ إذ تتحول المساحات الهادئة سابقاً إلى أوكار من الضجيج". وجاء العنوان: "الطباعة تُستبدل بالهمس.. والأمر أكثر إزعاجاً بكثير".

قلت في نفسي: من الجيد أنني لا أعمل في شركة ناشئة بوادي السيليكون.

لوحة المفاتيح والعمل

مع ذلك، أعمل في "بلومبرغ"، لذلك تخيلوا مدى انزعاجي عندما قرأت الكلمات التالية من كيفن شيكي، رئيس الاتصالات لدينا، في نشرته صباح الأربعاء: "المكتب الهادئ ربما يصبح قريباً أثراً تاريخياً. مكتب المستقبل قد يبدو أقرب إلى قاعة مبيعات منه إلى مكتبة. لا أطيق الانتظار :)".

أستطيع الانتظار. بل أفضّل الانتظار إلى الأبد، أو على الأقل إلى أن أتقاعد. إذا سارت الأمور كما أرجو، نحو عشرين عاماً أو ما يزيد، وعندها سأغادر الباب مطمئناً إلى أننا أنجزنا أعمالنا باستخدام لوحة مفاتيح. تدفقات وعيي، وتشتتي، واستطراداتي، بقيت داخلية، كما ينبغي في مجتمع متحضر.

قد تكون هذه معركة خاسرة. شركة "ويسبر" (Wispr)، وهي مطورة أحد أشهر التطبيقات المستخدمة لهذا الغرض، تقترب من جولة تمويل ستقدر قيمتها عند ملياري دولار. حاولت استخدام تطبيقها للعمل على هذا العمود، كتجربة، لكنني استسلمت سريعاً للإحراج والخجل.

الكتابة بالذكاء الاصطناعي

في الأسبوع الماضي فقط، تلقيتُ رداً من أحد الأشخاص على طلب لإجراء مقابلة، مستخدماً ما وصفه بـ"الصياغة بمساعدة الذكاء الاصطناعي".

قرأ هارشيڤ فاديبارثي، وهو مسؤول تنفيذي في قطاع التكنولوجيا، رسالتي الإلكترونية التي طلبت فيها رأيه بشأن موثوقية أداة البرمجة التابعة لـ"أنثروبيك" (Anthropic). ثم تحدث إلى حاسوبه مستخدماً "أوبن كلو" (OpenClaw)، وهي أداة يستخدمها لتحويل الكلام إلى نص، "لإنشاء مستند كامل يتضمن أفكاري". راجع المستند قبل أن يرسله إلي.

قال لي فاديبارثي بعدما سألته عن الأمر: "الفارق الدقيق الأساسي الذي أود التأكيد عليه هو أن أوبن كلو لا يبتكر إجابات نيابة عني بشكل مستقل". وأضاف: "وجهة النظر هي وجهة نظري".

هل هي كذلك فعلاً؟ أفهم ما يقوله. فبالنهاية هي أفكاره، وجرى تنظيمها في نص، ثم وافق عليها. لكنني أعتقد أنه يخدع نفسه، مثل أي شخص آخر يفوض هذه الأدوات.

الفكرة غير المنظمة وغير المصاغة، حين تنطق بصوت عال، ليست سوى نصف فكرة؛ بيضة نيئة كُسرت في مقلاة باردة. قال ديفيد مكالو، الكاتب الحائز جائزتي "بوليتزر"، في عام 2002: "الكتابة تفكير". وأضاف: "أن تكتب جيداً يعني أن تفكر بوضوح. لهذا السبب هي صعبة للغاية".

ربما لا تكترث للكتابة الجيدة. هذه حجة أخرى أسمعها تأييداً للصياغة بمساعدة الذكاء الاصطناعي: "أنا أكتب ملاحظات اجتماع، لا الرواية الأميركية العظيمة المقبلة".

صحيح أن هناك وظائف كثيرة، بل معظم الوظائف، لا تكون الكتابة جزءاً من منتجها النهائي ولا مكوناً مهماً فيه. في الواقع، يعزو كثير منا هذه الأيام الحاجة إلى الكتابة إلى كونها أكثر أجزاء اليوم سحقاً للروح.

كتبت منتجة الكوميديا كيت هيلين داوني في عام 2021: "لنتوقف عن التظاهر بوجود وظائف مختلفة". وأضافت: "هناك وظيفة واحدة فقط، وهي رسائل البريد الإلكتروني".

إنتاجية الذكاء الاصطناعي

لكن استخدام الذكاء الاصطناعي للاستعانة بمصادر خارجية في أداء هذا العمل الرتيب، مهما بدا مغرياً، يعني وضع عقلك على مقاعد البدلاء.

عندما ينظم الذكاء الاصطناعي أفكارك "الخاصة" ويكتب كتابتك "الخاصة"، فإنه سيفعل ذلك وفقاً لأوسع قاسم مشترك ممكن، لتصبح مخرجاتك متجانسة للجمهور مثل رف كتب من "إيكيا" (IKEA). ستواجه الشركات مستنقعاً أكبر من الاتصالات الداخلية، بينما يجعل الموظفون روبوتاتهم تنفذ أشياء لم يكونوا ليكلفوا أنفسهم عادة عناء القيام بها.

مكسب الإنتاجية الزائف ينطوي على خطر أثر تراكمي، حيث لا يعود أحد يعرف تماماً من قرر ماذا ولماذا. ستتحول أماكن العمل إلى فضاءات صاخبة، بينما يصرخ الموظفون بتعليماتهم في وجه روبوتات الدردشة.

نقلت "وول ستريت جورنال" من الخطوط الأمامية لنوع جديد من جحيم المكاتب: "زيارة الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي اليوم تشبه الظهور في مركز اتصالات فاخر".

إذا اختفت تلك القدرات الخاصة بالذكاء الاصطناعي يوماً ما، وهذا احتمال وارد بالنظر إلى اقتصاديات صناعة الذكاء الاصطناعي المحفوفة بالمخاطر، فستجد نفسك تتساءل كيف كنت تنجز الأشياء أصلاً، تماماً كما أنك، أراهن، تكافح بالفعل للوصول إلى أماكن مألوفة من دون نظام تحديد المواقع.

تآكل مهارات الكتابة

لن يحدث تآكل المهارات دفعة واحدة. كتب توم سلاتر، الشريك في شركة إدارة الاستثمارات "بيلي جيفورد" (Baillie Gifford)، في مقاله الثاقب عن الاستعانة المعرفية بمصادر خارجية: "يحسن الذكاء الاصطناعي بشكل موثوق أداء المهمة الفوري، بينما يضعف القدرات البشرية الكامنة التي تنتج ذلك الأداء".

وأضاف: "تحصل على نتائج أفضل اليوم، لكنك تصبح أقل قدرة غداً". هذا الاعتماد هو نموذج العمل. جاء في بيان صحفي حديث صادر عن "أوبن إيه آي" (OpenAI): "نحن نحول الذكاء إلى مرفق عالمي".

خلافاً لمئات المليارات من الدولارات التي تنفق على خوادم "أوبن إيه آي"، فإن مركز البيانات الغامض والمعجز الموجود داخل جمجمتك مجاني الاستخدام، ويعمل بأقصى طاقته عندما تصوغ أفكارك، وهي أفكار ستفاجئك.

لاحظ الكاتب تشارلز بوكوفسكي ذات مرة أن "الآلة الكاتبة تمنحني أشياء لا أعرف حتى أنني أعمل عليها". هذه هي الاختراقات المهمة، والعمل الذي سيعني أنك تستطيع أن تكون مسهماً حقيقياً، والعمل الذي لن يتم استبداله.

ضع كل ذلك في اعتبارك عندما تتساءل عما إذا كان عليك التوقف عن الكتابة أو تقليلها لمصلحة الثرثرة مع ذكاء اصطناعي.

كتب بول جراهام، أحد الأشخاص المتناقصين سريعاً من مستثمري رأس المال الجريء في التكنولوجيا الذين لا يزالون، على ما يبدو، قادرين على التفكير بوضوح: "عالم منقسم بين من يكتبون ومن لا يكتبون أخطر مما يبدو". وأضاف: "سيكون عالماً من مفكرين وغير مفكرين. أعرف في أي نصف أريد أن أكون، وأراهن أنك تعرف أيضاً".

حتى أكثر الكتابات رتابة تبقي الذهن يقظاً. فلوحة المفاتيح ليست مجرد أداة عمل، بل خط دفاع أخير في مواجهة عالم يتراجع فيه دورك. لذلك سأظل متمسكاً بلوحتي بكل ما أستطيع.

كاتب العمود التكنولوجي الأمريكي في بلومبرغ أوبينيون. مراسلًا لصحيفة فاينانشيال تايمز وبي بي سي نيوز في سان فرانسيسكو سابقا

خاص بـ " بلومبرغ"

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية