الخميس, 20 أغسطس 2026|6 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

الناتج المحلي الإجمالي يقيس القيمة السوقية للسلع والخدمات داخل الدولة ويُعتبر أفضل إحصاء اقتصادي متاح رغم انتقاداته. ينتقده نائب الرئيس جيه دي فانس وغيره بسبب قصوره، لكنه يظل أداة مهمة لمساءلة السياسات الاقتصادية وقياس مستوى المعيشة والنمو. الأمم المتحدة حاولت تطوير بدائل لكنها فشلت في تقديم مقياس موحد أفضل.

أدركُ أن هذا اعتراف غريب بشأن الإحصاء، لكنني في نهاية المطاف خبيرة اقتصادية، لذا سأبوح به بلا تردد: أحب الناتج المحلي الإجمالي. ها قد قلتها.

يمثل الناتج المحلي الإجمالي القيمة السوقية لجميع السلع والخدمات النهائية المنتجة داخل حدود دولة ما. وهو، من نواحٍ عدة، الإحصاء الاقتصادي المثالي، سواء فيما يقيسه أو ما يعكسه؛ فرقم واحد يختزل كماً هائلاً من المعلومات، ويتمتع بنطاق وامتداد تاريخي لا يكاد يضاهيهما أي مقياس آخر. ولا أخفي رغبتي في استمرار نموه.

مع ذلك، يواجه الناتج المحلي الإجمالي انتقادات واسعة، لا سيما من أوساط اليسار، التي تطالب بإيلاء اهتمام أكبر للآثار الخارجية السلبية للنمو أو منح المساواة وزناً أكبر. ويرى بعض المنتقدين أن الحياة تتجاوز حدود الدخل، وهذا صحيح بلا شك، لكنه لا ينتقص بأي حال من أهمية الناتج المحلي الإجمالي.

والآن، انضم نائب الرئيس جيه دي فانس إلى قائمة منتقدي الناتج المحلي الإجمالي أيضاً. ففي كتابه الأخير، يستفيض في الحديث عن أوجه قصور هذا المؤشر، ويكتب بنبرة شبه ساخرة: "ربما يكون علم الاقتصاد مجرد وهم".

الناتج المحلي يُخضع الشعبوية للمساءلة

لا غرابة في ذلك. فمع تصاعد نفوذ الشعبوية الاقتصادية داخل الحزبين، يُتوقع ازدياد منتقدي الناتج المحلي الإجمالي، لأنه يُعد عدوهم اللدود بقدرته على إخضاعهم للمساءلة. كل تقدير إحصائي غير مكتمل وغير مكتمل، بحكم تعريفه، إذ تخضع العناصر التي يشملها وطريقة قياسها، مثلاً، لاختيارات، كما تتفاوت الإحصاءات في جودتها. ومن البديهي أن الإحصاء يجب أن يُقدم معلومة مفيدة، لكن من المهم أيضاً أن يُحتسب بصورة متسقة ويتسم بالشفافية وقابلية التكرار.

بناء على هذه المعايير، ربما يكون الناتج المحلي الإجمالي أفضل إحصاء متاح لدينا. صحيح أنه لا يرصد كل ما يهم في الاقتصاد، لكنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنحو 90% من العوامل الأساسية، بما يشمل الصحة والتوظيف ومتوسط العمر المتوقع والصرف الصحي والفرص والتعليم. كما يتيح المقارنة بين الدول وعبر الفترات الزمنية المختلفة.

وعند استخدامه على هذا النحو، يكشف الناتج المحلي الإجمالي عن حجم الطفرة التي حققتها الدول القادرة على توفير مستوى معيشة أفضل لمواطنيها.

الناتج المحلي الإجمالي يتفوق على بدائله

لا يقيس الناتج المحلي الإجمالي، كما يشير فانس، جمال الفراولة في اليابان أو المذاق الأفضل للخوخ في فرنسا. فهو يقتصر على قياس الناتج الاقتصادي داخل حدود الدولة، لكن هذا المقياس يكشف الكثير. ورغم وجود تعديلات تراعي التطورات التكنولوجية وجودة المنتجات، فإنها لا تشمل كل شيء وتستند جزئياً إلى التقدير البشري. كما لا يرصد الناتج المحلي الإجمالي التفاوت، أو قيمة وقت الفراغ، أو الأعمال المنزلية غير مدفوعة الأجر.

ولمعالجة بعض أوجه القصور، شكّلت الأمم المتحدة أخيرا لجنة لابتكار مقياس أفضل. واقترحت اللجنة "لوحة تضم 31 مؤشراً موزعة على 4 مكونات"، لكنها سرعان ما تعرضت لانتقادات باعتبارها مضيعة للوقت. فهذه المؤشرات لا توفر المقياس الموضوعي الموحد الذي نحتاج إليه، كما أن هذا النهج سيتيح للدول والساسة اختيار المعايير التي يُقيَّمون على أساسها. وتثبت هذه المحاولة سبب استحالة التفوق على الناتج المحلي الإجمالي، حتى وإن لم يكن مثالياً ولا يرصد كل ما يهم الجميع.

في الواقع، لم يقدم المشككون في الناتج المحلي الإجمالي بديلاً أفضل. ورغم وجاهة بعض انتقاداتهم، يعكس موقفهم أحياناً تشككاً ضمنياً في النمو الاقتصادي نفسه. وقد أقر الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي، وهو من منتقدي الناتج المحلي الإجمالي، أخيرا بأن خفض النمو هو الهدف بالفعل.

الناتج المحلي يكشف عن تكلفة السياسات

يُتوقع أيضاً تصاعد التشكيك من جانب الساسة. فالولايات المتحدة، كغيرها من الدول، تواجه تحديات اقتصادية عديدة تشمل ارتفاع الديون، وشيخوخة السكان، وتحولاً تكنولوجياً هائلاً، وستظهر نتائج تعاملها معها في بيانات الناتج المحلي الإجمالي. فهذا المؤشر لا يقيس نمو الاقتصاد فحسب، بل يكشف أيضاً عن ما تستطيع الدولة تحمّل تكلفته، وما إذا كانت إنتاجيتها تتحسن فعلياً. كما يوضح أداء الولايات المتحدة مقارنة بالدول الأخرى، ما يساعد الأمريكيين على محاسبة قادتهم على خياراتهم.

فعلى سبيل المثال، تشهد دول أوروبية عديدة ركوداً في نمو الناتج المحلي الإجمالي. وقد يجادل ساستها بأن هذا لا يهم، لأن لديهم أولويات أخرى، مثل زيادة وقت الفراغ أو خفض انبعاثات الكربون. وقد تكون هذه أهدافاً مشروعة، لكنها تنطوي على تكلفة تتمثل في انخفاض مستويات المعيشة. ويُجبر ضعف نمو الناتج المحلي الإجمالي المسؤولين المنتخبين في أوروبا على مواجهة هذه الحقيقة.

بالنسبة إلى فانس، يتيح انتقاد الناتج المحلي الإجمالي أيضاً فرصة للتهرب من المساءلة عن سياساته الاقتصادية المفضلة المتمثلة في إنعاش الصناعات التحويلية منخفضة المهارات، وتبنّي السياسة الصناعية، وتقليص التجارة. ومن شأن هذه السياسات إبطاء نمو الناتج المحلي الإجمالي، ما سيجعل الاقتصاد الصيني يبدو أكثر نجاحاً بالمقارنة. وإذا كنت تعتقد أن الناتج المحلي الإجمالي غير مهم، فيمكنك الادعاء بأن الأرقام لا تهم.

لكن تحطيم مقياس الحرارة لا يعالج الحمى. فإذا دخلت الولايات المتحدة مرحلة من ضعف النمو وتراجع مستويات المعيشة، فسيدرك الناس ذلك، مهما كان رأي قادتهم أو خبراء الاقتصاد في الناتج المحلي الإجمالي.

كاتبة عمود في بلومبرغ أوبينيون. وزميلة بارزة في معهد مانهاتن

خاص بـ "الشرق بلومبرغ"

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية