دانية أركوبي
في بداية دراستنا لعلم الاقتصاد، كان قانون ساي الذي صاغه الاقتصادي الفرنسي الشهير "جان باتيست ساي" ينص على أن العرض يخلق الطلب الخاص به. لكن حاضرنا يخالف القاعدة، فالاقتصاد العالمي لديه فائض واضح في الإنتاج، لكنه يواجه انكماشا في الطلب والاستهلاك. وما يزيد من تعقيد الأمور أن الركود الاستهلاكي محاط ببيئة مضطربة اقتصادياً وجيوسياسياً وتجارياً، ما يجعل المخاوف تزداد من ديمومة هذه الحالة، وبما يصاحبها من انعكاسات سلبية.
في الصين أو ما تعارف العالم على ذكرها بـ “مصنع العالم" وبسبب سياسات الإنتاج المكثف والدعم الحكومي، أصبح لديها فائض إنتاجي ممتد من الصلب والنحاس إلى الألواح الشمسية والسيارات الكهربائية.
وفي ظل انكماش عميق في الطلب المحلي، فإن الخيار الوحيد أمام المنتجين هو توجيه الفائض إلى الأسواق الخارجية، ليخلق ما يعرف بالإغراق، الذي يستدعي إجراءات من الدول المستهدفة لحماية صناعاتها المحلية من تدفقات السلع الرخيصة في أسواقها.
وعلى الرغم من تشكيل الصين للجزء الأكبر من المعضلة، إلا أنه من الضروري عدم تجاهل الأزمة الحقيقية في الاقتصاد العالمي على جانبي العرض والطلب. فمنذ استخدم الإنسان الآلة في الإنتاج في ثورته الصناعية الأولى، كانت الطفرة الإنتاجية تجد زخما استهلاكيا، بفضل ارتفاع الدخل وانتعاش الدورة الاقتصادية، وهو ما يسمح للأسر بخلق فوائض توجه للاستهلاك وتنشط الطلب.
بالوصول إلى وقتنا الحالي، حيث الإنتاج الوفير الممتزج بابتكارات التكنولوجيا الموفرة للتكاليف والمعظمة للكفاءة في مختلف سلعنا المستخدمة يوميًا، من السيارات إلى الهواتف المحمولة، ومن الأجهزة المنزلية إلى ألعاب الأطفال.
هذه الصناعات التي أصبحت محل صراع عالمي حازت ميزة إضافية، متمثلة في الدعم الحكومي بمختلف أشكاله وهو ما أعطى المنتجين قدرة إضافية على زيادة الإنتاج.
يبدو الوضع مثاليا للاقتصادات لكن في حالة واحدة، أن يواكب الطلب المحلي والخارجي قدرات الإنتاج، وهنا تكمن المشكلة الأساسية، فمعدلات الطلب في كبرى الاقتصادات تواجه أزمة حقيقية ناتجة عن الصدمات الاقتصادية التي مرت على العالم.
حيث تركت الأزمات الممتدة من كوفيد-19 والإغلاق التام للاقتصادات إلى الأزمة الروسية - الأوكرانية وما تبعها من موجة تضخم أضرت بالقدرة الشرائية للأسر انطباعا سيئا في الأذهان. حيث أصبح الادخار لمواجهة الصدمات غير المتوقعة في المستقبل ضرورة للأسر وجزءا من المشهد الاقتصادي الكلي.
يعني ذلك تحويل جزء من الأموال التي يتم ضخها في الأسواق لشراء السلع إلى مدخرات في القطاع المصرفي، أو في بعض الأحيان إلى مدخرات ساكنة في أصول غير منشطة للاقتصاد مثل الملاذات الآمنة كالذهب والفضة وصولًا إلى العملات المشفرة.
تشكل الديموغرافيا ركن أساسي في ضعف الطلب. فمن آسيا إلى أوروبا تعاني الاقتصادات أزمة سكانية مزدوجة، حيث ترتفع معدلات الشيخوخة، بينما تنخفض أعداد المواليد. يفرض ذلك قيودا على حركة الاستهلاك على كافة القطاعات.
فانخفاض الإنجاب الناتج عن تراجع معدلات الزواج يترجم إلى انكماش في الطلب على العقارات، وهو ما قد يؤدي إلى أزمة في القطاع السكني، بجانب تآكل الاستهلاك المرتبط بتجهيزات الزواج مثل الأجهزة الكهربائية والأثاث.
الحل في دعم الاستهلاك والقضاء على ظاهرة فائض القدرة الإنتاجية يقع على كاهل السياسة النقدية والمالية. فأسعار الاقتراض المرتفعة غير مناسبة لتنشيط الطلب وزيادة رغبة وقدرة الأسر في الإنفاق. سياسات الإنفاق والضرائب الحكومية لا بد أن يكون تركيزها الأساسي استعادة ثقة الأفراد عبر تشجيعهم على زيادة الاستهلاك وتقديم الحوافز التي تدعم دخل الأسر.
في الختام ترسم أزمة فائض القدرة الإنتاجية صورة واقعية لحال الاقتصاد العالمي. حيث ركزت دول فاعلة على نموذج اقتصادي يستهدف الأسواق الخارجية، دون العمل على معالجة الاختلالات الهيكلية في الطلب المحلي. لذلك فالحل الرئيسي للأزمة هو إنعاش الاستهلاك، عبر خطة شاملة تعالج الفجوات، وتبث الطمأنينة في نفوس المستهلكين المذعورين من تبعات الصدمات الماضية. وتركز على التكامل التجاري وليس سياسات الإغراق التي تهدد الإنتاج وتؤثر في العمالة.
مستشارة اقتصادية
