الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الاثنين, 1 يونيو 2026 | 15 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

لماذا يصمد الذهب الآن؟

سامية الحربي
سامية الحربي
الجمعة 15 مايو 2026 10:18 |3 دقائق قراءة

 أصبح الذهب في 2026 مؤشرًا مباشرا على تحولات أعمق يشهدها الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية واستمرار الضغوط التضخمية وتذبذب أسعار الفائدة وتراجع اليقين في الأسواق المالية العالمية.

خلال الفترة الأخيرة أظهر الذهب قدرة لافتة على التماسك مقارنة بفئات أصول أخرى أكثر حساسية للصدمات متداولًا ضمن نطاقات سعرية مرتفعة تاريخيًا ومدعوما بعدة عوامل رئيسية. يأتي في مقدمتها استمرار مشتريات البنوك المركزية التي تجاوز صافيها في بعض التقديرات الحديثة أكثر من ألف طن سنويا وهذا مؤشر واضح على تحوّل إستراتيجي نحو تقليل الاعتماد على الدولار وتعزيز الاحتياطيات المرتبطة بالأصول الحقيقية.

كما لعب الطلب الاستثماري دورا مهما في دعم الأسعار، خاصة من قبل الصناديق السيادية والمستثمرين الباحثين عن أدوات أكثر استقرارا في بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين لكن في المقابل برزت الأسواق الآسيوية كمحرك رئيسي للسيولة والتسعير مع تنامي الطلب الفعلي من الصين والهند، إضافة إلى الدور المتصاعد لكل من هونغ كونغ وكوريا الجنوبية ضمن سلاسل التوريد العالمية المرتبطة بالذهب والمعادن الثمينة.

ورغم السياسات النقدية المتشددة التي تبنتها بعض الاقتصادات الكبرى التي كانت تاريخيا تشكل عامل ضغط على الذهب فإن أداء السوق خلال هذه المرحلة يعكس انفصالا نسبيا عن العلاقة التقليدية بين الذهب وأسعار الفائدة، فالذهب اليوم لم يعد يتحرك فقط كرد فعل مباشر على السياسة النقدية بل أصبح أكثر ارتباطا بمستوى المخاطر النظامية وثقة الأسواق واستقرار النظام المالي العالمي.

ومن زاوية التشغيل الفعلي تبدو الأسواق القائمة على التداول المادي للذهب (Physical Trading) أكثر مرونة مقارنةً بالأسواق الورقية خاصة خلال فترات التذبذب الحاد، فبينما شهدت بعض العمليات تباطؤًا مؤقتًا نتيجة اتساع الفجوات السعرية بين البيع والشراء بقيت القدرة على استئناف النشاط بسرعة عند استقرار الأسعار قائمة، وهو ما يعكس أن القيمة الحقيقية للذهب تتجلى في قدرته التشغيلية واستمرارية الطلب عليه ضمن المنظومة التجارية العالمية.

ومن موقعي كامرأة تعمل في تجارة الذهب الفعلي داخل سوق كبيرة كسوق دبي وأتابع حركة السوق بشكل يومي، أرى أن ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد ارتفاعات سعرية أو تقلبات مؤقتة هناك إعادة تعريف للعلاقة مع هذا المعدن الثمين ففي الأزمات التحدي الحقيقي ليس في تقلب الأسعار بقدر ما يكون في إدارة المخاطر وتأمين سلاسل التوريد واتخاذ قرارات سريعة مبنية على قراءة دقيقة لحركة السوق.

كما أن الأزمات عادة ما تعيد فرز اللاعبين الحقيقيين داخل السوق، فبينما يتراجع البعض أو يخرج مؤقتا من المشهد تظهر فرص حقيقية لمن يمتلك السيولة والمرونة والشبكات التجارية القادرة على التكيف مع المتغيرات السريعة. ومن هنا أصبح التوجه نحو الأسواق الآسيوية بالنسبة لكثير من المتعاملين ضرورة إستراتيجية فرضتها سرعة التسييل واستقرار العمليات اللوجستية وجودة الإنتاج وكفاءة سلاسل التوريد.

وإذا كانت السنوات الماضية قد أعادت الثقة بالأصول الحقيقية فإن المرحلة المقبلة قد تعيد تشكيل مفهوم الاحتياطي ذاته فكثير من الدول لم تعد تنظر إلى الذهب كأداة تحوّط مؤقتة بل كجزء من إعادة بناء التوازن المالي بعيدا عن التقلبات السياسية والنقدية العالمية.

وفي النهاية، يبقى الذهب اليوم أكثر من مجرد أصل استثماري فهو منظومة متكاملة تبدأ من التوريد والتخزين، مرورا بالتداول وإدارة المخاطر وصولًا إلى إعادة البيع والسيولة. في عالم يفقد ثقته سريعا بكل شيء يبقى الذهب أحد الأصول القليلة التي لا تحتاج إلى تبرير طويل لقيمتها.



سيدة أعمال وكاتبة سعودية ومؤسسة شركة سامية أحمد لتجارة الذهب

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية