الثلاثاء, 18 أغسطس 2026|4 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

لا يلتفت العالم إلى شنغهاي فقط لزيارة برج شنغهاي الحلزوني الشهير، ثاني أعلى ناطحة سحاب في العالم، وإنما لما تمثله المدينة من نموذج اقتصادي وتجاري عالمي، يتجسد أحد أبرز مظاهره في ميناء شنغهاي، أكبر ميناء للحاويات في العالم، والذي يقدم نموذجًا لفهم التحول في طبيعة المنافسة اللوجستية الدولية. فقد حافظ الميناء على صدارته للعام الـ16 على التوالي، مسجلًا في 2025 مناولة تجاوزت 55.06 مليون حاوية قياسية (TEU)، بعد أن أصبح في 2024 أول ميناء في العالم يتجاوز حاجز 50 مليون حاوية سنويًا.

لكن هذه الأرقام لا تفسر وحدها المكانة الإستراتيجية للميناء. فالقوة الأساسية في تجربة شنغهاي ترتبط باندماجه مع قاعدة اقتصادية وتجارية وصناعية واسعة؛ إذ يعمل كعقدة رئيسية تربط الإنتاج والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية. وقد بلغ إجمالي التجارة الخارجية لمدينة شنغهاي نحو 4.51 تريليون يوان في 2025، بما يبرز الترابط بين النشاط التجاري والبنية اللوجستية.

وتوضح تجربة شنغهاي أن تنافسية الموانئ لم تعد ترتبط بالطاقة الاستيعابية وحدها، وإنما بقدرة المنظومة على ربط الميناء بمراكز الإنتاج والتوزيع والأسواق، وتسهيل حركة البضائع، وتقديم خدمات ذات قيمة مضافة مثل التخزين والتجميع والتغليف وإعادة التصدير. كما أصبحت الرقمنة والأتمتة عنصرين أساسيين في رفع الكفاءة وتقليل زمن الرحلة اللوجستية.

وفي السعودية، شهد القطاع اللوجستي توسعًا في بنيته التحتية وقدراته التشغيلية، بالتوازي مع نمو التجارة وتنوع الأنشطة الاقتصادية. ويأتي ذلك في سياق موقع المملكة بين 3 قارات، وإطلالتها على البحر الأحمر والخليج العربي، وتطور شبكة الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمطارات والمراكز اللوجستية.

وتزامن ذلك مع تغيرات في طبيعة التجارة العالمية؛ إذ أصبحت مرونة سلاسل الإمداد وتنوع مسارات النقل من العوامل المؤثرة في قرارات الشركات. وفي هذا السياق، يكتسب الموقع الجغرافي للمملكة بعدًا جيو-اقتصاديًا، خصوصًا مع تنامي الحاجة إلى سلاسل إمداد أكثر قدرة على التعامل مع الاضطرابات الجيوسياسية والتجارية.

كما أظهرت تطورات 2025 و2026 أن الاستقرار والمرونة أصبحا جزءًا من الميزة اللوجستية؛ فتعدد الموانئ والممرات البحرية والبرية والسككية يمنح السعودية قدرة أكبر على التعامل مع تغير مسارات التجارة وتقليل مخاطر انقطاع سلاسل الإمداد.

وجاء تطور القطاع متزامنًا مع التحول الهيكلي في الاقتصاد السعودي ونمو الصناعة والتعدين والتجارة والاستثمار والسياحة والمشاريع الكبرى. ومع اتساع هذه الأنشطة، أصبحت الخدمات اللوجستية جزءًا من منظومة الإنتاج والتصدير وإعادة التصدير وتدفقات الاستثمار، لا مجرد قناة لنقل الواردات.

وقد بلغت مناولة الحاويات في الموانئ نحو 8.32 مليون حاوية قياسية خلال 2025، بزيادة 10.58% على 2024، فيما ارتفع عدد المراكز اللوجستية المُمكّنة لإعادة التصدير إلى 24 مركزًا. وفي يوليو 2026، بلغ إجمالي المراكز اللوجستية في الموانئ 34 مركزًا، باستثمارات تتجاوز 14 مليار ريال. كما استقر الزمن المستهدف لإجراءات الفسح الجمركي عند ساعتين عند استيفاء المتطلبات، فيما نقلت "سار" أكثر من 30 مليون طن من البضائع خلال 2025. وتعكس هذه التطورات توسع المنظومة لتشمل الموانئ والمراكز اللوجستية والطرق والسكك الحديدية والأنظمة الرقمية.

لكن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من قياس كفاءة الأصول إلى قياس كفاءة المنظومة الاقتصادية كاملة. فالميناء قد يكون سريعًا، والفسح فعالًا، والنقل متاحًا، لكن التكلفة الفعلية للشحنة قد ترتفع بسبب التأخير أو التخزين أو إعادة المناولة أو ضعف التنسيق بين وسائل النقل. ولذلك فإن تنافسية الرحلة اللوجستية لا تحددها رسوم الشحن وحدها، وإنما التكلفة الكلية للوصول، بما في ذلك الوقت والموثوقية والتكاليف غير المباشرة.

ومن هنا تبرز أهمية قياس رحلة الشحنة كاملة، من وصولها إلى الميناء حتى المصنع أو مركز التوزيع أو السوق النهائي. فكل يوم إضافي قد يرفع تكلفة المخزون ورأس المال العامل، وقد يؤثر في قرارات المستثمرين بشأن الإنتاج والتوزيع. وبذلك تصبح كفاءة اللوجستيات عاملًا مباشرًا في تنافسية القطاعات الاقتصادية الأخرى.

كما أن زيادة حركة الحاويات لا تعني بالضرورة زيادة مماثلة في القيمة الاقتصادية. فالحاوية التي تمر عبر المملكة وتغادر مباشرة تختلف في أثرها عن حاوية تدخل في التخزين أو التجميع أو التصنيع أو التوزيع الإقليمي قبل إعادة تصديرها. لذلك يصبح قياس القيمة الاقتصادية المتولدة من حركة البضائع مكملًا لقياس حجم المناولة.

ويتطلب تعظيم القيمة الاقتصادية كذلك تطوير رأس المال البشري؛ فاللوجستيات الحديثة تعتمد على الأتمتة وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والتخطيط المتقدم وإدارة سلاسل الإمداد، ما يرفع الطلب على مهارات رقمية وتحليلية متخصصة.

ولتحويل تطور البنية اللوجستية في السعودية إلى قيمة اقتصادية أكبر، تتطلب المرحلة المقبلة التركيز على أربعة مسارات رئيسية تتجاوز قياس حجم المناولة إلى قياس كفاءة الرحلة اللوجستية، والقيمة المتولدة منها، ومدى ارتباطها بالاقتصاد الإنتاجي:

أولًا: تطوير مؤشر وطني لرحلة الشحنة الكاملة يقيس الزمن والتكلفة والموثوقية ويكشف نقاط الاختناق والتكاليف الخفية.

ثانيًا: قياس القيمة الاقتصادية لكل حاوية من خلال ما تولّده من تخزين وتجميع وتصنيع وإعادة تصدير وخدمات، وليس الاكتفاء بحجم المناولة.

ثالثًا: توجيه الاستثمارات اللوجستية وفق احتياجات القطاعات الإنتاجية، بحيث تُبنى المراكز والممرات حول التدفقات الفعلية للصناعة والتعدين والتجارة والتصدير.

رابعًا: تطوير المهارات المتقدمة في تحليل البيانات والأتمتة والذكاء الاصطناعي وإدارة سلاسل الإمداد، بما يواكب تحول القطاع إلى منظومة أكثر ذكاءً وإنتاجية.

وفي ضوء ما شهدته السعودية من توسع في الموانئ والمراكز اللوجستية، وتطوير شبكات النقل والربط بينها، وتسريع الإجراءات الجمركية، وتوظيف التقنيات الرقمية، وتعزيز قدرات إعادة التصدير، يتضح أن التحول اللوجستي السعودي تجاوز تطوير البنية التحتية إلى بناء منظومة أكثر تكاملًا واستجابة لمتطلبات التجارة الحديثة. ومع موقعها الجغرافي وتنوع اقتصادها وتطور بنيتها اللوجستية، تملك السعودية أساسًا قويًا لتعزيز تنافسيتها في سلاسل الإمداد الإقليمية والعالمية، وتحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية متنامية، ودعم القطاع اللوجستي بوصفه أحد الممكنات الرئيسية للنمو والتنويع الاقتصادي.

مستشارة في السياسات الاقتصادية والتخطيط الإستراتيجي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية