دانية أركوبي
في علم الاقتصاد، تبنى السياسات الاقتصادية على فرضية بسيطة: الصدمات تخلق نتائج متوقعة. التعريفات الجمركية ترفع الأسعار. اضطرابات سلاسل الإمداد تزيد من تكاليف الطاقة. التوترات الجيوسياسية تزعزع الأسواق.
لكن اليوم نعيش واقعا مغايرا، فمؤشرات السلع لم تعد مرتبطة بتطورات الأسواق والسياسات العامة، أسواق المال صارت أسهمها تخالف ما يمر به العالم من توترات لم يشهدها منذ قرون. فقدت الحكومات والشركات والمستهلكون قدرتهم على التنبؤ ووضع الخطط للميزانيات والخطط الاستثمارية.
لدينا مثالان عن فقدان بوصلة التوقعات في 2025. البداية من صدمات الرسوم الجمركية التي ذكرت العالم بثلاثينيات القرن الماضي أو ما قبل الكساد الكبير، رسوم مبالغ فيها على السلع والخدمات، تعني ارتفاع التضخم، انهيار التجارة، تباطؤ النمو الاقتصادي، انخفاض الاستثمار الخاص، انهيار معنويات المستهلكين. لكن ما حدث كان مخالفاً للتوقعات، حافظ النمو على زخمه في أهم الاقتصادات، استقر التضخم قريبا من المستويات المستهدفة للبنوك المركزية، استمرت الصادرات في التدفق، بينما سرعت الشركات والصناديق من وتيرة استثمارها.
أسواق الطاقة تروي قصصا مماثلة، كان من المتوقع والمنطقي أن تؤدي الاضطرابات في المراكز الرئيسية للإنتاج وطرق النقل في الشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا اللاتينية إلى ارتفاع الأسعار بشكل حاد. ومع ذلك، انخفضت أسعار النفط بنحو 20 % خلال العام الماضي، وهو أكبر هبوط سنوي لها منذ الجائحة والإغلاق للاقتصادات.
العلاقات المالية والاستثمارية التقليدية وصل إليها التصدع، ففي الوقت الذي سجلت فيه الملاذات الآمنة (الذهب والفضة) مستويات قياسية مترجمة المخاطر الجيوسياسية والتجارية. إلا أن أسواق المال واكبتها، وحققت ارتفاعا ملحوظا خلال نفس العام في مختلف الاقتصادات المتقدمة، هذا في وقت ما زالت تحتفظ فيه السلطات النقدية بمعدلات فائدة أعلى من المتوسط، وسنداتها تدر عوائد مجزية، فما كان يتحرك في اتجاه معاكس أصبح يرتفع الآن معًا.
أحد التفسيرات هو أن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر مرونة من خلال الصدمات المتكررة. تفسير آخر، وأكثر إزعاجًا، هو أن الأسواق قد توقفت عن الاستجابة بشكل أساسي للسياسات والجغرافيا السياسية على الإطلاق.
بدلاً من ذلك، تركز الاهتمام على مجموعة صغيرة من المحركات الداخلية، وعلى رأسها التكنولوجيا. وصلت تدفقات الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى مئات المليارات من الدولارات، مع معاملة الحكومات والشركات والصناديق للذكاء الاصطناعي كضرورة استراتيجية وليس كرِهان دوري. هذه الاستثمارات الآن قوية بما يكفي لتعويض الضعف في أماكن أخرى، ما يسمح للأسواق بتجاوز النزاعات والتعريفات الجمركية وتباطؤ طلب المستهلكين وتشاؤم المنتجين.
في الوقت نفسه، العالم يتحرك بعيدًا عن العولمة الاقتصادية. الاقتصادات الكبرى تعيد تنظيم نفسها حول المصلحة الوطنية بدلًا من التكامل. الصين تعزز العلاقات مع دول الجنوب العالمي. أوروبا تعطي الأولوية للصمود الداخلي على الانفتاح. هذا العامل لديه تأثير مباشر على الفراغ في بناء التوقعات.
فسلاسل الإمداد ينفرط عقد تكاملها يوما بعد آخر، والأنظمة المالية والنقدية التقليدية يتم تطوير بدائل لها، وأصبح حلم السيطرة والتنافس يتفوق على التكامل. ومن هنا نستطيع أن ندرك كيف يترك التفكك الاقتصادي العالمي أثره في اتجاهات الأسواق وجاذبية المستثمرين وقرارات الأفراد وسياسات الحكومات.
ويبدو أن الاقتصاد العالمي تأقلم مع الوضع القائم، فالحديث عن فقاعة الملاذات الآمنة وأسهم التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لم يمنع من استمرار ارتفاعها مع بداية 2026، ومخاطر تأثر المعروض النفطي مع توسع التوترات الجيوسياسية لم تحفز أسعار النفط. كما تستمر الحكومات في سياساتها التجارية الحمائية وتتجاهل تحذيرات الأسواق من التأثيرات في أسواق العمل والتضخم والتعافي الاقتصادي.
في الختام يدخل العالم أعواما تفتقد فيها المؤسسات والشركات والأسر العين البصيرة لمجريات سير الأحداث. فما كان منطقياً بالأمس، أصبح اليوم عشوائيا ولا يمكن التنبؤ به. فالحكومات التي تعتمد على نماذج قديمة تخاطر بالتصرف متأخرة أو في الاتجاه الخاطئ. والشركات التي تفترض أن العلاقات التي كانت قائمة بالأمس لا تزال صالحة تواجه خطر سوء تخصيص رأس المال. والأسر تواجه عدم يقين متزايد بشأن الدخل والأسعار والفرص.
بينما من سينجحون هم من سيستثمرون في المرونة، اقتصادات متنوعة، سلاسل توريد مرنة، قدرات تكنولوجية، ومؤسسات قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة في ظل عدم اليقين. أما من يتخلف، فسيكتشف أن الاقتصاد العالمي لم يصبح عشوائيًا، بل صار بلا تنظيم.
مستشارة اقتصادية
