علاء شاهين صالحة
:@AlaaShahine
ارتفاع سندات لبنان يُبرز شهية صناديق الديون المتعثرة بعد قفزة سندات فنزويلا
•الأسواق تراهن على تحولات سياسية في المنطقة رغم تعقيدات الإصلاح في الداخل اللبناني
الخلاصة
الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران أدت إلى تراجع أسواق المال عالمياً، مع ارتفاع سندات اليوروبوند اللبنانية المتعثرة بنسبة تجاوزت 25% منذ يناير 2023. ارتفاع السندات مرتبط بتفاؤل بانتصار إسرائيل على حزب الله وإصلاحات اقتصادية في لبنان، لكن تحقيق إعادة هيكلة الديون قريباً يواجه تحديات سياسية واقتصادية كبيرة.
أدّت الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران إلى تراجع كبير بمعظم أسواق المال في العالم مع بعض الاستثناءات، مثل الدولار الأمريكي وأسهم شركات النفط والدفاع.. وسندات اليوروبوند اللبنانية المتعثرة!
يدين حملة هذه السندات، ومعظمهم من المستثمرين الأجانب، بالفضل للرئيس الأمريكي دونالد ترمب في القفزة الكبيرة في أسعارها منذ يناير الماضي بأكثر من 25% إلى نحو 29 سنتاً لكل دولار عشية اندلاع الحرب على طهران.
كان المحفز الرئيسي تقنياً بامتياز، بعد العملية العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة في فنزويلا والتي انتهت بالإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو. حيث أدى التفاؤل بمستقبل اقتصاد البلاد وإمكانية إعادة هيكلة ديونها بعد رحيل مادورو إلى ارتفاع حاد في سندات فنزويلا، ورفع الطلب على الديون المتعثرة بشكل عام من قبل صناديق تركز على اقتناص فرص كهذه لتحقيق الربح.
غير أن حل مشاكلات الديون السيادية لعدد من الدول العام الماضي لم يترك فرصاً كثيرة في تلك الشريحة من الأصول بخلاف السندات اللبنانية.
النموذج الاستثماري هنا بسيط وتقني تماماً (لأصحاب نظريات المؤامرة!): تشتري هذه الصناديق السندات المتعثرة بمبالغ زهيدة في رهان أن تتوصل الحكومات لاتفاق مع الدائنين برعاية مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي يتيح لهم الحصول على مقابل أكبر.
بيد أن الارتفاع الكبير في أسعار السندات اللبنانية بدأ مع انطلاق حرب إسرائيل وحزب الله في نهاية 2023، وسط تفاؤل بأن هزيمة الجماعة الموالية لإيران وتراجع نفوذها الداخلي سيؤدي حتماً إلى انتعاش اقتصادي وإصلاحات تفضي في النهاية إلى إعادة هيكلة الديون المتعثرة منذ 2020.
هذه القناعة هي، على الأرجح، السبب الرئيسي وراء ارتفاع طفيف في أسعارها هذا الأسبوع لأكثر من 31 سنتاً، بحسب بيانات بلومبرغ، بعد أن أدت مشاركة ميليشيا حزب الله في الحرب إلى جانب إيران إلى هجوم إسرائيلي عنيف على لبنان.
ومع أن تراجع الدور الإيراني في المنطقة، وتقلص نفوذ وشعبية الجماعات الموالية لها قد أسهم بالفعل في انتخاب رئيس للجمهورية، وتكليف رئيس للوزراء أقرب لمحيط لبنان العربي والدولي، يبدو القفز من تلك النقطة إلى سيناريو ينتهي بإعادة هيكلة الديون في المستقبل القريب مفرطاً في التفاؤل -إلى حد السذاجة- لعدة أسباب:
أولاً: افتراض قدرة إسرائيل على القضاء على حزب الله -وهو ما فشلت فيه كل حروبها السابقة- دون احتلال كامل للبنان، وهو أمر مستبعد الحدوث.
ثانياً: التفاؤل بقدرة الدولة اللبنانية على نزع سلاح الميليشيا الموالية لإيران قسراً دون أن يؤدي ذلك إلى حرب أهلية، في غير محله، دون محاولة التقليل من القيمة الرمزية لقرار الحكومة الأخير بحظر الأنشطة العسكرية لحزب الله في محاولة لمنع العدوان الإسرائيلي على لبنان.
صحيح أن جر البلاد إلى حرب إيران سيقضي على الأرجح على أي تأييد سياسي وشعبي لحزب الله خارج نطاق المتعصبين من أنصاره، لكن قدرة المؤسسات على تنفيذ قرار الحكومة تبقى محدودة بدون حل سياسي شامل يبدو في الوقت الراهن بعيد المنال.
ثالثاً: تستند أي خطة للتعامل مع ملف الديون في المقام الأول على قدرة لبنان إعادة هيكلة القطاع المصرفي المنهار. تجدر الإشارة هنا إلى أن المعارضة الداخلية لمشروع قانون "الفجوة المالية" الذي أقرته الحكومة في شهر ديسمبر لا تستمد قوتها من حزب الله وإنما تتركز بين أصحاب بعض البنوك المحلية (الخاسر الأكبر من إعادة الهيكلة) وكبار المودعين الذين يحظون بتأييد قوي في مجلس النواب.
كما أن صندوق النقد اعتبر أن مشروع القانون لا يتماشى حتى الآن مع المعايير الدولية، ما يعني أن على الحكومة تعديله قبل أن تحاول الحصول على الموافقة التشريعية.
رابعاً: كل عدوان إسرائيلي يعمّق من جراح لبنان الاقتصادية ويزيد كلفة إعادة الإعمار في بلد يعاني فعلا من تهالك في بنيته التحتية وشبه انهيار في بعض خدماته الأساسية. صحيح أن تصور تكفل المجتمع الدولي بهذه الفاتورة في إطار اتفاق يرعاه صندوق النقد الدولي ليس أمراً صعب التصديق، لكن تغير الأولويات الإقليمية والدولية لحلفاء لبنان يجعله أكثر تعقيداً بمرور الوقت.
كل ما سبق لا يعني أن أزمة لبنان الطاحنة سوف تستمر إلى الأبد، لكن الرهان على حل قريب تمهده الصواريخ الإسرائيلية على بيروت والجنوب فيه -على الأقل- تبسيط مُخل لواقع معقد.
صحافي وكاتب لبناني يشغل منصب مدير أكاديمية SRMG للتدريب، وشغل منصب مدير تحرير الاقتصاد الأوروبي في بلومبرغ
خاص بـ "بلومبرغ"
