أحمد الشهري
استقر التضخم في السعودية عند 1.8% خلال أغسطس وهو الأقل خليجياً، وهي قراءة قد تبدو عادية إذا نُظر إليها منفردة، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما توضع بجانب ما يحدث في المراحل الأخرى من سلسلة الأسعار. ففي الشهر نفسه ارتفعت أسعار الجملة بنحو 4.6% على أساس سنوي، بينما أظهرت بيانات أسعار المنتجين لشهر يوليو ارتفاعاً بنحو 5.3%، ومع ذلك بقي ارتفاع أسعار المستهلك عند 1.8%، هذه الفجوة تستحق القراءة، لأنها تعني أن زيادة التكاليف في المراحل الأولى من الاقتصاد لا تنتقل بالضرورة وبالنسبة نفسها إلى فاتورة المستهلك.
داخل سلة المستهلك، جاءت الصورة أيضاً متوازنة، ارتفعت أسعار السكن والمياه والكهرباء والغاز بنحو 3.9%، والأغذية والمشروبات 1.4%، والنقل 2%، بينما تراجعت أسعار الأثاث والأجهزة المنزلية بنحو 0.6% والملابس والأحذية 0.5%. المهم اقتصادياً هنا ليس أن جميع الأسعار تتحرك في اتجاه واحد، بل أن التضخم العام ما زال محدوداً رغم اختلاف الضغوط بين القطاعات.
جزء من تفسير ذلك يرتبط بطبيعة الاقتصاد السعودي وآليات انتقال الأسعار فيه؛ فالسياسة الاقتصادية خلال السنوات الماضية لم تعتمد على أداة واحدة لضبط تكلفة المعيشة، بل على مزيج يشمل استقرار أسعار عدد من المدخلات الأساسية، وارتفاع كفاءة سلاسل الإمداد، واتساع المنافسة، وتنويع مصادر الاستيراد والإنتاج المحلي، إلى جانب التنظيم والمتابعة المستمرة للأسواق. هذه العناصر لا تمنع تغير الأسعار، لكنها تساعد على تخفيف انتقال الصدمات الخارجية إلى المستهلك النهائي.
وهنا تظهر أهمية متابعة أسعار الجملة والمنتجين إلى جانب مؤشر المستهلك؛ فإذا ارتفعت تكاليف المدخلات لفترة طويلة، فإن السؤال يصبح، كم منها سيمتصه المنتج والموزع، وكم سينتقل لاحقاً إلى الأسعار النهائية؟ أما إذا ظلت الفجوة بين المؤشرات قائمة، فهي إشارة إلى قدرة الاقتصاد على استيعاب جزء من الضغوط داخل سلسلة القيمة.
كما تضيف البيانات للمناطق بعداً مهماً إلى الصورة؛ إذ تختلف معدلات التضخم بوضوح من منطقة إلى أخرى، بما يعكس تنوع أنماط الطلب وتكاليف المعيشة وخصائص الأسواق المحلية، وهذا التنوع يؤكد أن خيارات الاستثمار والعيش يمكن التنبؤ بها اقتصادياً.
وفي اقتصاد عالمي أصبحت فيه الطاقة والشحن والمواد الأولية أكثر تقلباً، فإن بقاء التضخم السعودي نحو 1.8% لا يمثل مجرد رقم منخفض في جدول دولي، بل يظهر أهمية البنية التي تقف خلفه.
ختاماً، نجاح السياسة الاقتصادية في ملف الأسعار لا يقاس بمنع الأسعار من الحركة، فهذا غير واقعي في اقتصاد مفتوح، بل بقدرتها على احتواء انتقال الصدمات، وتعزيز المنافسة، والمحافظة على استقرار القوة الشرائية، وقراءة أغسطس تشير إلى أن هذه الآليات ما زالت تؤدي دورها بكفاءة وفاعلية.
اقتصادي في السياسات الاقتصادية وإدارة إستراتيجيات الأعمال والشراكات الإستراتيجية.
