الأحد, 1 نوفمبر 2026|20 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

قد يرتفع سعر القمح في الأسواق العالمية، لكن المستهلكين لا يدفعون الزيادة نفسها. ففي سبتمبر الماضي ارتفعت أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية سنوياً بنسبة 7.4% في الهند، مقابل 1.4% في السعودية و1.3% في بريطانيا. 3 دول تتعامل مع سوق غذاء عالمية مترابطة، لكن فواتيرها تتحرك بسرعات مختلفة. فكيف تنتقل صدمة واحدة عبر الحدود، ثم تصل إلى موائد الناس بأحجام متباينة؟

السؤال يزداد أهمية مع توقع البنك الدولي ارتفاع أسعار السلع الغذائية عالمياً نحو 10% خلال 2026، ثم 7% في 2027، بالتزامن مع زيادة متوقعة في أسعار الأسمدة بنحو 14% هذا العام. وفي سبتمبر سجل مؤشر منظمة الأغذية والزراعة ارتفاعاً سنوياً قدره 5.8%، بينما زادت أسعار الحبوب 17.2%. وهذه مؤشرات لأسعار السلع المتداولة دولياً، لا للأسعار النهائية التي يدفعها المستهلك في متجره.

فالقمح لا يتحول إلى خبز بمجرد وصوله إلى الميناء، بل يمر بسلسلة من التكاليف تبدأ بالإنتاج والأسمدة والطاقة، وتمتد إلى النقل والتخزين والتصنيع والتوزيع. وهذه التكاليف تختلف بين الدول بحسب حجم إنتاجها المحلي وكفاءة سلاسل الإمداد والمواسم الزراعية، إلى جانب أسعار الصرف التي قد تزيد تكلفة الواردات أو تخففها. وحتى الإنتاج المحلي لا يمنح حصانة كاملة من تقلبات الأسواق العالمية، لاعتماد الزراعة نفسها على مدخلات مستوردة. وفي المقابل، تستطيع المخزونات والمنافسة والسياسات الحكومية امتصاص جزء من هذه التقلبات أو تأخير انتقالها.

ولهذا قد تواجه دولتان الارتفاع العالمي نفسه في أسعار الغذاء، لكن تختلف الزيادة التي تصل إلى المستهلك في كل منهما.

والأثر لا يتوقف عند اختلاف البلدان. فالأسرة الأقل دخلاً تخصص عادة نسبة أكبر من إنفاقها للغذاء، ولذلك قد يقتطع ارتفاع الأسعار جزءاً أكبر من قدرتها على شراء خدمات وسلع أخرى. وهنا يتحول تضخم الغذاء من رقم في نشرات الأسعار إلى عامل يؤثر في الاستهلاك والنمو، حتى لو بقيت السلع متوافرة في الأسواق.

وتستطيع الحكومات امتصاص جانب من الصدمة بالدعم الموجه أو المخزونات أو تخفيض الرسوم، لكن الحماية ليست بلا تكلفة. فالدعم الواسع ينقل جزءاً من العبء إلى المالية العامة، بينما قد تؤدي قيود تصدير الحبوب إلى تهدئة الأسعار محلياً ورفعها على مستهلكين في دول أخرى. وهكذا قد يصبح قرار حماية المائدة في بلد سبباً في زيادة فاتورة الغذاء ببلد آخر.

في النهاية، لا تنتقل أسعار الغذاء بين الدول بالطريقة نفسها، حتى وإن كانت السلع تتداول في سوق عالمية واحدة. فبين سعر القمح في الأسواق الدولية وسعر الخبز على مائدة المستهلك، توجد منظومة اقتصادية كاملة تحدد مقدار التضخم الذي يصل إليه. ولهذا فإن قدرة الدول على مواجهة ارتفاع أسعار الغذاء لا تقاس فقط بما تنتجه أو تستورده، بل بكفاءة أسواقها وسلاسل إمدادها وسياساتها في امتصاص الصدمات. فالعالم قد يتشارك أسعار الغذاء، لكنه لا يتشارك بالضرورة تكلفة ارتفاعها.

الرئيس التنفيذي للاستثمار BLME

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية