الخميس, 29 أكتوبر 2026|17 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

في الأسواق المشبعة التي تعج بالمنافسة على الحصص السوقية لا مكان للشركات المترددة، فالأرباح اليوم أصبحت لا تعتمد على من ينتج أكثر بل من يوفر خيارات شرائية أوسع للمستهلكين.

هذا ما يحث تماما في سوق الألبان السعودية اليوم، فالحكاية بدأت بالأمس بطرح عبوة حليب أو زبادي تحمل اسم الشركة المنتجة، وامتدت اليوم إلى طرح عبوات لحوم حمراء تحمل العلامة التجارية نفسها. وبين المشهدين قصة شركات لم تعد ترى في بيع منتج محدد نهاية نشاطها، بل بداية فرصة جديدة للنمو.

توجه شركات ألبان إلى تنويع أنشطتها والاستفادة من خبراتها في التصنيع وشبكات التوزيع للوصول إلى شرائح أوسع من المستهلكين خيار استراتيجي يستحق الوقوف عنده، فقد توسعت شركة نادك في قطاع اللحوم الحمراء والبروتين، فيما أعلنت شركة المراعي دخول سوق اللحوم الحمراء عبر علامتها التجارية الجديدة «هبور»، باستثمار يقارب 500 مليون ريال. وهنا تتضح الفكرة: استثمار القدرات القائمة في منتجات جديدة ومكملة، بدل الاكتفاء بالأسواق التقليدية.

تقدم "نادك" مثالًا واضحًا على نمو هذا النشاط؛ إذ ارتفعت إيرادات قطاع اللحوم الحمراء والبروتين لديها من 83.6 مليون ريال في 2023 إلى 180.3 مليون ريال في 2024، ثم إلى 300.2 مليون ريال في 2025. وبذلك نمت إيرادات القطاع بنحو 259% خلال عامين، في مؤشر على اتساع أعمال الشركة في هذه السوق.

في الأردن على سبيل المثال، بدأت شركة بن العميد تتوسع من بيع القهوة المطحونة إلى تقديم القهوة الجاهزة وافتتاح المقاهي، لتقترب من المستهلك النهائي، وتستفيد من علامتها التجارية في بناء نشاط مكمل لعملها الأساسي.

هذه التجارب تطرح سؤالًا اقتصاديًا يتجاوز قطاعات القهوة والألبان واللحوم: ماذا تفعل الشركات عندما تتشبع الأسواق بمنتجاتها، وتصبح زيادة المبيعات أكثر صعوبة في ظل المنافسة؟

بلغت قيمة سوق القهوة العالمية، وفق تقديرات بحثية، نحو 249 مليار دولار في  2025، فيما قُدّرت سوق منتجات الألبان بنحو 551 مليار دولار في العام نفسه. أما إنتاج اللحوم العالمي فبلغ نحو 375 مليون طن في 2025. وتعكس هذه الأرقام ضخامة هذه القطاعات، لكنها لا تعني أن كل شركة فيها تملك فرصًا متساوية للنمو؛ فالمنافسة وتغير أذواق المستهلكين يفرضان على الشركات البحث عن مسارات جديدة.

هنا تكمن الفكرة الأهم: ليس المطلوب دائمًا إنتاج المزيد، بل الوصول إلى قيمة أكبر من المنتج نفسه. فالشركة التي تكتفي بالتوريد تترك مراحل من العلاقة مع المستهلك لغيرها، بينما يمنحها البيع المباشر فرصة لفهم احتياجاته، وتعزيز ولائه، وتنويع مصادر إيراداتها. وقد لا يكون التوسع في منافذ البيع مناسبًا لكل شركة، لكنه يظل خيارًا يستحق الدراسة حين تتوافر مقومات نجاحه.

وبينما تنشغل بعض الشركات بالدفاع عن حصتها في السوق، يعيد المنافسون رسم حدود السوق نفسها، وينتقلون إلى أنشطة لم تكن ضمن حساباتها. فالتوسع الناجح لا يعني التشتت أو الدخول في قطاعات بعيدة عن الاختصاص، بل بناء أنشطة متكاملة تضيف قيمة إلى النشاط الأساسي، بعد دراسة الطلب والتكلفة والعائد.

أما الشركات التي تريد الاحتفاظ بمكانتها من دون تغيير طريقة تفكيرها، فقد تجد نفسها يومًا خارج المنافسة. فنجاح الأمس ليس ضمانًا لمبيعات الغد، والأسواق لا تمنح حصانة لمن يتأخر عن التطور، والمستهلك لا ينتظر شركة قررت أن تبقى حيث هي. وفي النهاية، قد لا يهزم المنافسون الشركة بمنتجات أفضل، بل بقدرتهم على التفكير أبعد منها.

مدير التحرير  في صحيفة الاقتصادية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية