بالكاد ذُكر معدن الرصاص خلال فعاليات "أسبوع بورصة لندن للمعادن" هذا العام، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى بقاء الأسعار في حالة ركود عرضي (تحرك جانبي) لأشهر طويلة. ووفقاً للمجموعة الدولية لدراسات الرصاص والزنك، يتجه السوق العالمي لتسجيل فائض في المعروض للعام الرابع على التوالي.
وتحتوي مستودعات بورصة لندن للمعادن على كميات من الرصاص تفوق أي معدن آخر، كما كان سعر الرصاص لعقد الثلاثة أشهر في البورصة هو الأضعف أداءً بين المعادن هذا العام؛ إذ انخفض بنحو 6% منذ بداية يناير، ليصل إلى 1900 دولار للطن المتري. لكن المظاهر قد تكون خادعة في هذا السوق الذي يتسم بالغموض. فبينما يستفيد النحاس والقصدير من طفرة الاستثمار في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، يظل الرصاص جزءاً جوهرياً من البنية التحتية الرقمية من خلال استخدامه في بطاريات النسخ الاحتياطي للطاقة.
وذكر غرايم ترين، رئيس قسم التحليل في شركة "ترافيغورا" التجارية، خلال ندوة بورصة لندن للمعادن الأسبوع الماضي، أن مراكز البيانات تستهلك نحو 8% من الطلب العالمي على الرصاص. وإذا كان هذا الأمر مفاجئاً، فقد يخبئ الرصاص مفاجآت أخرى، ولا سيما للصناديق الاستثمارية التي تحتفظ بمراكز بيع على المكشوف (ضخمة في عقود البورصة).
ما وراء تقلبات المخزونات
اتسم سوق الرصاص في بورصة لندن للمعادن، على مدى أشهر، بحركات واسعة للمعدن بين المخزونات المسجلة في البورصة (on-warrant) وتلك المخزنة خارج نظامها (off-warrant)، حيث يستغل الممولون فروق الأسعار من خلال عمليات الموازنة بين المستودعات (arbitrage).
ويُعد إلغاء تسجيل 46,800 طن متري من الرصاص في بورصة لندن للمعادن في يوم واحد الأسبوع الماضي مثالاً بارزاً على ذلك.
وفي هذه الحالة، يقوم صندوق التحوط الأمريكي "سكوير بوينت" بنقل المعدن من مستودعات تديرها شركة "إن كيه بي" (NKB) -المملوكة لشركة "ترافيغورا"- في سنغافورة.
وذكرت "رويترز" أن هذه الكميات من الرصاص ستُنقل لتُخزّن مجدداً لدى مشغل مستودعات آخر في الموقع نفسه. يأتي هذا الحافز في صورة اتفاقية لتقاسم إيرادات التخزين مع مشغل المستودعات الجديد، وهو في هذه الحالة شركة "آي إس تي آي إم".
لقد استمرت حركة تداول المخزونات في سنغافورة -أو ما يُعرف بـ "دورة المخزونات"- لعدة أشهر، ما أدى إلى إضعاف دلالة الأسعار التي قد تُستمد من تقارير المخزون اليومية الصادرة عن بورصة لندن للمعادن. غير أن هذا النشاط المكثف يخفي وراءه اتجاهاً تنازلياً عاماً.
فقد انخفض إجمالي مخزونات بورصة لندن للمعادن -سواء المسجلة منها أو تلك المخزنة خارج نظام الضمانات- من 502,600 طن في نهاية مارس إلى 407,000 طن. ويبدو أن كمية كبيرة من الرصاص قد خرجت من "دورة" التخزين هذه.
ففي سنغافورة، حيث يوجد الجزء الأكبر من مخزونات بورصة لندن للمعادن، أصبحت كميات الرصاص المُصدَّرة تفوق حالياً الكميات المُستوردة.
ووفقاً للمكتب العالمي لإحصاءات المعادن، الذي يجمع الأرقام الرسمية من الجمارك، ارتفعت الصادرات إلى 47,000 طن خلال يوليو وأغسطس وسبتمبر، مقارنة بـ 28,000 طن في الأشهر الثلاثة السابقة. وفي المقابل، لم تتجاوز واردات الرصاص المكرر في الفترة ما بين مارس وسبتمبر 49,000 طن، انخفاضاً من 183,000 طن خلال الأشهر الستة التي سبقتها.
الصين تواجه نقصاً في الإمدادات
يتزامن هذا التحول في أنماط التجارة في سنغافورة مع تغير جذري في تجارة الرصاص الخاصة بالصين. إذ تستورد الصين كميات قياسية من الرصاص؛ حيث بلغ إجمالي شحنات المعدن المكرر الواردة إليها 175,000 طن في الأشهر التسعة الأولى من هذا العام، ارتفاعاً من 24,000 طن في الفترة نفسها من العام السابق. وقد برزت الهند هذا العام كأكبر مورد، علماً بأنها كانت في السابق المصدر الرئيسي للرصاص المخزن في مستودعات بورصة لندن للمعادن في سنغافورة.
وخلال الفترة ذاتها الممتدة لتسعة أشهر، تضاعفت واردات الصين من الرصاص المحتوي على الأنتيمون أكثر من ثلاث مرات لتصل إلى 88,000 طن، بينما قفزت واردات سبائك الرصاص بنسبة 82% لتصل إلى 136,000 طن. ومع ذلك، لا تزال مخزونات الرصاص في الصين عند مستويات منخفضة للغاية. تحتوي مستودعات بورصة شنغهاي للعقود الآجلة على 26,802 طن فقط، وهو أدنى مستوى منذ أغسطس 2024.
وتُقدّر مؤسسة "شنغهاي ميتالز ماركت-وهي جهة محلية توفر البيانات- أن المخزونات "الاجتماعية" (المتاحة في السوق) عبر خمس مناطق رئيسية منخفضة أيضاً، حيث تبلغ 25,600 طن. وعلى عكس بورصة لندن للمعادن، تشهد عقود شنغهاي حالة من "التراجع السعري" -أي أن الأسعار الفورية أعلى من الأسعار الآجلة- ما يشير إلى استمرار شح المعروض في السوق الصينية.
ويبقى لغزاً سبب هذا الطلب الصيني القوي على معدنٍ يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره معدناً "تقليدياً" أو قديماً. وربما يعود الأمر إلى ذلك التوجه الجديد المتعلق بمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز
