توبياس أدريان
فحسب سيناريو يفترض تزايد مخاطر المؤسسات غير المصرفية وسحبها لجميع خطوطها الائتمانية من البنوك، يشهد نحو 10% من البنوك الأمريكية و30% من البنوك الأوروبية (من حيث حجم الأصول) انخفاضا في نسب رأس المال التنظيمي بأكثر من 100 نقطة أساس.
وبعبارة أخرى، تشهد البنوك خسائر حادة وانخفاضات هائلة في النسب الرأسمالية نتيجة الضغوط في المؤسسات غير المصرفية، ما يشير إلى الارتباط بمواطن الضعف في القطاع غير المصرفي ــ التي يمكنها الانتقال سريعا إلى النظام المصرفي الأساسي وبالتالي مفاقمة الصدمات وتعقيد عملية إدارة الأزمات.
وإحدى القنوات الأخرى التي يمكن من خلالها للمؤسسات غير المصرفية مفاقمة الضغوط عبر النظام المالي هي أسواق السندات الأساسية - أوراق مالية عالية الجودة والتصنيف تدر دخلا ثابتا وتمثل مؤشرا مرجعيا للسوق ككل. وقد ينشأ ذلك نتيجة عدم اتساق تدفقات السيولة في صناديق الاستثمار المفتوحة، وهو ما يحدث عندما يتمكن المستثمرون من بيع الأسهم سريعا، بينما يستغرق بيع الأصول اللازمة لتغطية عمليات الاسترداد وقتا أطول. وحينما ترتفع تقلبات السوق، فإن عمليات الاسترداد وطلبات تغطية حساب الهامش قد تجبر هذه الصناديق على بيع أكثر أصولها سيولة.
وبافتراض خروج التدفقات بأنماط مماثلة لما حدث في مارس 2020 وارتفاع أسعار الفائدة بمقدار 80 نقطة أساس، يشير تحليل صناديق الاستثمار المشتركة الأمريكية الوارد في تقرير الاستقرار المالي العالمي إلى أن قيمة مبيعات السندات الاضطرارية قد تبلغ 200 مليار دولار أمريكي تقريبا، ثلاثة أرباعها من سندات الخزانة. وفي الحالات القصوى، قد تتجاوز المبيعات الاضطرارية قدرة الوسطاء، ما يؤثر في كفاءة أداء السوق، وربما تمتد التداعيات إلى أسواق التمويل. وتؤكد هذه النتائج على ضرورة امتلاك صناديق الاستثمار المشتركة للأدوات الملائمة لإدارة السيولة للمساعدة في الحد من مخاطر البيع الاضطراري.
ونشير في فصل تحليلي آخر من تقرير الاستقرار المالي العالمي إلى الآثار الإيجابية لزيادة مشاركة المؤسسات غير المصرفية في أسواق السندات السيادية. فقد لجأت اقتصادات الأسواق الصاعدة الأقوى اقتصاديا إلى زيادة قروضها بالعملة المحلية من المؤسسات غير المصرفية المحلية، مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين. ويقترن تزايد نسبة السندات المملوكة للمؤسسات غير المصرفية في الاقتصادات الصاعدة بتحسن معدلات السيولة حين تواجه أسواق السندات صدمات عالمية، وسيؤدي على الأرجح إلى تقليص اعتماد الحكومة على الاقتراض المصرفي.
ولكن من المهم أيضا التمييز بين المؤسسات غير المصرفية المحلية والأجنبية. فالمؤسسات الأجنبية تظل من أهم المستثمرين في أصول الأسواق الصاعدة. ويمكن سحب هذه الاستثمارات عند اضطراب الأسواق، ما يؤدي إلى تشديد الأوضاع المالية في الأسواق الصاعدة. ويعني ذلك ضرورة التعمق في فهم تأثير المؤسسات غير المصرفية عبر الحدود.
أولويات السياسات
يعتمد الاستقرار المالي في نهاية المطاف على سلامة السياسات وصلابة المؤسسات. ويظل من الضروري اتباع سياسات مالية ونقدية حذرة، وفرض قيود على الاختلالات الخارجية - مثل عجز الحساب الجاري والديون الخارجية – وضمان فاعلية الملاذ الأخير للإقراض، وتوافر مساعدات السيولة الطارئة. وفي الوقت ذاته، وفي ظل الأهمية المتزايدة للمؤسسات غير المصرفية، يجب على صناع السياسات تعزيز صلابة النظام المالي الأساسي.
وتؤكد نتائج اختبار قدرة البنوك العالمية على تحمل الضغوط - التي توضح أن بنوكا عديدة لا تزال عرضة للمخاطر- على ضرورة مواصلة تعزيز رأس المال والسيولة من خلال تطبيق المعايير المتفق عليها دوليا، ولا سيما اتفاقية بازل الثالثة. ويمكن حماية القطاع المصرفي من عدوى البنوك الضعيفة عبر تقوية أطر تسوية الأوضاع ومعاودة النشاط وتعزيز مساعدات السيولة الطارئة التي تقدمها البنوك المركزية.
كذلك، تتطلب الأهمية المتزايدة للمؤسسات غير المصرفية، وارتباطها بالبنوك، تعزيز الرقابة المصرفية. ويعني ذلك جمع مزيد من البيانات الشاملة، وتحسين التحليل الاستشرافي ــ مثل فحوصات السيولة عبر النظام ككل ــ وزيادة التنسيق بين أجهزة الرقابة في القطاع.
وبالطبع الائتمان الخاص يستدعي مزيدا من الاهتمام. فقد شهدت مؤسسات الإقراض غير المصرفية، وخاصة صناديق الائتمان الخاصة، نموا سريعا في السنوات الأخيرة، ما أضاف إلى المخاطر المهددة للاستقرار المالي نظرا لأن هذه المؤسسات أقل شفافية وتخضع لقواعد تنظيمية أقل صرامة. وأخيرا، للتصدي لضغوط السيولة وعمليات بيع السندات الاضطرارية من جانب المؤسسات غير المصرفية، يجب تحسين أدوات إدارة السيولة وجدواها وتوسيع نطاق استخدامها في صناديق الاستثمار المفتوحة.
المستشار المالي ومدير إدارة الأسواق النقدية والرأسمالية في صندوق النقد
