تسعى بريطانيا إلى تعيين رئيس وزرائها السابع في غضون عقد من الزمن، ما أثار مزاعم بأن البلاد باتت غير قابلة للحكم. لكن قد يكون أمام آندي بورنهام، خليفة كير ستارمر المحتمل، مسارٌ ضيق ولكنه ممكن لتحفيز الاقتصاد البريطاني. وقد يحتاج فقط إلى استلهام نهج الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون لتحقيق ذلك. العامل الأول الذي يصب في مصلحة بورنهام هو الوقت.
فليس من الضروري الدعوة إلى الانتخابات العامة المقبلة قبل 3 سنوات، ما يمنحه مجالاً لاستخدام رصيده السياسي الكبير لإجراء تغييرات جوهرية إذا ما بادر إلى اتخاذ الخطوات اللازمة مبكراً. قد يكون الشعب البريطاني مستعداً للتغيير. تُظهر استطلاعات الرأي أن معظم البريطانيين يعتقدون أن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ - وهذا حالها منذ فترة. تراجع نمو الإنتاجية بشكل ملحوظ منذ الأزمة المالية العالمية. وانخفضت معدلات النمو الاقتصادي التي كانت قبل الأزمة، التي بلغت نحو 2.5% سنويًا، إلى ما يزيد قليلاً على 1% في المتوسط منذ ذلك الحين.
وفي الوقت نفسه، ارتفع الدين العام من نحو 36% من الناتج المحلي الإجمالي في 2007 إلى ما يقارب 100% حاليًا. قد يكون كثيرون على استعداد لتقبّل خيارات صعبة إذا اقتنعوا بأنها ستؤدي إلى مستقبل أفضل. لم يُظهر ستارمر أي براعة في صياغة هذه الرواية، بينما قد يكون بورنهام، المتحدث البارع، في وضع أفضل للقيام بذلك. أما العامل التالي فهو النفوذ. فعلى الرغم من امتلاكه أغلبية برلمانية كبيرة، لم يتمكن ستارمر من حشد أغلبية نواب حزب العمال لدعم خططه لتقليص نظام الرعاية الاجتماعية المتضخم في البلاد.
ومع ذلك، يملك بورنهام فرصة لتحقيق ذلك من خلال استغلال تأثير "نيكسون في الصين". يشير هذا إلى كيف أن سمعة الرئيس الأمريكي السابق المتشددة والمحافظة أتاحت له فرصة السعي إلى التقارب مع بكين الشيوعية في سبعينيات القرن الماضي، بطريقة لم يكن بوسع شخصية أكثر ميلاً لليسار فعلها. بإمكان بورنهام أن يفعل شيئًا مشابهًا في الاتجاه السياسي المعاكس. لطالما دعم السياسات الاقتصادية التقدمية، واصفًا برنامجه بـ"الاشتراكية الصديقة للأعمال". إذا جمعنا هذا السجل الحافل مع شعبية عمدة مانشستر السابق داخل حزبه، فقد يتمكن بورنهام من إقناع حلفائه ذوي الميول اليسارية بأنهم يستطيعون الوثوق به لمواجهة الحقائق المالية للبلاد.
التغيير الجذري:
كيف يمكن لبورنهام أن يسعى إلى تحقيق الإصلاحات الاقتصادية؟ المفتاح الأول هو إيصال الرسالة الصحيحة، سواء لحزبه أو للأسواق. بما أن بورنهام قد انتُخب أخيرا لعضوية البرلمان، فبإمكانه أن يجادل بأن المشهد العالمي قد تغير جذريًا منذ تولي حزب العمال السلطة عام 2024. وهذا يعني أنه غير مُلزم بالتزامات ستارمر السابقة بعدم رفع أي من معدلات ضريبة الدخل الشخصية الرئيسية أو المساس بنظام المعاشات التقاعدية الحكومية السخي المعروف باسم "القفل الثلاثي". الخطوة التالية هي إحاطة نفسه بالأشخاص المناسبين.
إن حقيقة أن جيم أونيل، الوزير الحكومي السابق وكبير الاقتصاديين في جولدمان ساكس، يُقدم له المشورة - إلى جانب كبير الاقتصاديين السابق في بنك إنجلترا، آندي هالدين - تُعد بداية جيدة. لكن اختيار بورنهام لوزير المالية سيكون الاختبار الحقيقي لنواياه المالية.
بعد ذلك، يجب أن يكون مستعدًا لاتخاذ قرارات جريئة. قال أونيل أخيرا لإذاعة بي بي سي: "نحن بحاجة إلى شخص مستعد للقيام بشيء جريء ومختلف". وأضاف أن على بورنهام التركيز على خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية والرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية الحكومية، ما يُتيح موارد لاستثمارات أكثر إنتاجية دون زيادة العجز. قد يُسهم هذا التوجه في كسب ثقة مستثمري السندات وقطاع الأعمال، تمامًا كما فعل قرار حكومة حزب العمال عام 1997 المبكر بمنح بنك إنجلترا صلاحية تحديد أسعار الفائدة. وبفضل هذه الثقة، سيتمكن بورنهام من الاستثمار بحرية أكبر دون إثارة مخاوف سوق السندات. كما أن كون البلاد ليست دولة ذات ديون شاذة على المستوى الدولي يُعد عاملًا مساعدًا.
بدأ بورنهام بداية متعثرة في هذا الصدد، حيث صرّح في وقت سابق من هذا العام بأنه لا ينبغي لأي حكومة أن تكون "مدينّة" لسوق السندات. إلا أنه تراجع عن هذا التصريح لاحقًا، والتزم بالإبقاء على القواعد المالية التي وضعتها وزيرة المالية الحالية، راشيل ريفز، والتي تنص على ضرورة تغطية النفقات اليومية من الإيرادات في غضون 3 سنوات، وضرورة انخفاض صافي الدين الإجمالي كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي في غضون 5 سنوات.
بالنظر إلى إرث فترة رئاسة ليز تروس القصيرة للوزراء عام 2022، التي انتهت بشكل مفاجئ نتيجة رد فعل عنيف من سوق السندات على تخفيضات ضريبية غير ممولة، يدرك السياسيون البريطانيون أنهم لا يستطيعون التلاعب بالمال العام.هل هو متحدث بارع؟
من المرجح أن يواجه بورنهام العديد من العقبات نفسها التي واجهها سلفه، لكنه قد يكون أكثر حظًا من ستارمر. فبدايةً، إذا صمد اتفاق السلام الإيراني وأُعيد فتح مضيق هرمز بالكامل، فقد ينخفض التضخم قريبًا، وقد تزداد احتمالية خفض أسعار الفائدة العام المقبل، ما قد يُخفف بشكل طفيف من مخاوف البلاد بشأن الديون.
وهناك قضية أخرى تتمثل في قوة المعارضة السياسية. فقد ظهرت أدلة على التصويت التكتيكي في الانتخابات الفرعية المتتالية، حيث يبدو أن العديد من الناخبين يدعمون الحزب الذي يحظى بأفضلية.
يهدف هذا إلى هزيمة حزب الإصلاح اليميني، وليس بالضرورة الحزب الذي يفضلونه فعلاً. إذا صحّ هذا الافتراض، فقد يجد بورنهام - الذي سحق مرشح الإصلاح في فوزه في الانتخابات الفرعية الأسبوع الماضي - مساحة أكبر لتمرير الإصلاحات دون خوف من الإطاحة به من منصبه. في نهاية المطاف، كما هو الحال مع ستارمر، سيتوقف الكثير على الشخصية والقناعة.
تولى ستارمر السلطة دون رؤية واضحة لوجهته في بريطانيا، وبقدرة ضئيلة على توضيح أي مسار للمستقبل. ثم تخلى عن خطط سياسية رئيسية عندما اعترض حزبه.
يُعدّ بورنهام متحدثًا بارعًا وجذابًا - وهي ميزة هائلة - لكن هذا لا يُجدي نفعًا إلا إذا كان لديه خطة قابلة للتسويق. يقول زملاؤه السابقون، وحتى حلفاؤه، إنه لا يستمتع باتخاذ قرارات غير شعبية. مصير الحكومة والاقتصاد من الآن وحتى 2029 يتوقف على قدرته على فعل ذلك.
الرئيس السابق للاتصالات في بنك إنجلترا والمحرر السابق في وكالة رويترز
