احذر مما تتمناه بإحياء النقاش الراكد منذ فترة طويلة حول المعروض النقدي في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، أوجد رئيسه كيفن وارش لنفسه مشكلة وللرئيس الأمريكي الذي عينه. كثير ممن يُرجح أن يُرحبوا بتحوله نحو النقدية هم أيضاً الأكثر رغبة في رفع أسعار الفائدة، لا خفضها.
يرى بعض أبرز منتقدي استخدام استهداف التضخم وحده لتوجيه الاحتياطي الفيدرالي نحو مهمته المتمثلة في استقرار الأسعار، أن الصورة المالية الأوسع نطاقاً والهوس الحالي بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي هما سببان يدعوان إلى إعادة النظر في مدى كفاية السياسة النقدية.
مع توجهه إلى ندوة جاكسون هول السنوية هذا الأسبوع، بدأ وارش بالفعل مراجعة شاملة لأداء الاحتياطي الفيدرالي، حيث شكل 5 فرق عمل لدراسة كل شيء بدءًا من الاتصالات والتنبؤات وصولًا إلى قياس التضخم وجودة البيانات والإنتاجية واستخدام الميزانية العمومية.
من المرجح أن يتركز جزء كبير من النقاش في هذا المؤتمر المصرفي المركزي في وايومنج على فرق العمل هذه، وقد وصف البعض هذه الدراسات بأنها أهم مراجعة للسياسة النقدية الأمريكية منذ أن اعتمد الاحتياطي الفيدرالي هدفًا رسميًا للتضخم بنسبة 2% في 2012.
وبينما نفى وارش كونه "نقديًا" بالمعنى الحرفي للكلمة، على الرغم من كونه تلميذًا لأحد أبرز رواد النقد في القرن العشرين، ميلتون فريدمان، فقد أشار الشهر الماضي إلى تفضيله إعادة إدراج مجاميع المعروض النقدي في لوحة معلومات الاحتياطي الفيدرالي كجزء من "فسيفساء المعلومات".
كان استهداف حجم المعروض النقدي في النظام رائجًا للغاية خلال موجات التضخم الحادة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إلا أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق، آلان جرينسبان، تخلى عنه في 1993 لعدم موثوقيته بسبب الابتكارات المالية وعدم القدرة على رصد سرعة تداول النقود - أي معدل دوران كل وحدة نقدية.
لكن بإعادة إحياء استخدام مؤشرات المجاميع النقدية، مثل M2، الذي يقيس نمو النقد المتداول والودائع وصناديق الادخار سهلة الوصول، أعاد وارش فتح الجدل القديم حول جدواها ومخاطرها المحتملة. كما أثار هذا جدلًا محتدمًا بين أنصار النظرية النقدية ومؤيدي الاقتصادي البريطاني الشهير جون ماينارد كينز، الذي أصرّ على أن إدارة الطلب الاقتصادي أكثر فاعلية من معالجة مشاكلات العرض وحدها -حتى فيما يتعلق بالنقود.
في الشهر الماضي فقط، شارك ستيفن ميران، محافظ الاحتياطي الفيدرالي السابق ومستشار دونالد ترمب، في كتابة ورقة بحثية لمصلحة شركة هدسون باي كابيتال مع الخبيرين الاقتصاديين نوريل روبيني وبيتر أيرلاند، بعنوان "العودة إلى النقدية". وقد دعت الورقة إلى إدراج النقد والائتمان، كحد أدنى، في مداولات الاحتياطي الفيدرالي -وهو ما يبدو أن وارش يدعو إليه الآن.
ومن أهم الحجج أن النمو الهائل في عرض النقد خلال فترة إعادة تنشيط الاقتصاد بعد الجائحة، وسط دعم حكومي، كان له دور مباشر في الارتفاع الحاد اللاحق في التضخم، وكان ينبغي أن ينبه الاحتياطي الفيدرالي إلى المخاطر في وقت أبكر.
وقد رفض الخبير الاقتصادي الكينزي جيمس جالبريث، نجل جون كينيث جالبريث، خصم فريدمان، والمستشار السابق في الكونجرس خلال رواج سياسة استهداف النقد في أوائل الثمانينيات، هذه النتائج هذا الشهر ووصفها بأنها "نقدية لينة". ومن بين الاعتراضات، جادل بأن استخدام عرض النقد وسرعة تداوله لا يزال محفوفًا بالمشاكلات.
... كتب: "إذا لم تكن سرعة تداول النقود مستقرة -وهي بالتأكيد لم تكن كذلك خلال جائحة كوفيد-19 أو في مناسبات أخرى كثيرة- فلا يمكن استخدام "نظرية الكمية" لتوجيه السياسة النقدية".
إضافةً إلى ذلك، قد يجد مؤيدو تتبع نمو المعروض النقدي، الذين يعتقدون أن السياسة النقدية قد تكون متشددة للغاية في الوقت الراهن، أن أحدث أرقام M2 مطمئنة. فقد بلغ النمو السنوي لـ M2 أعلى مستوى له في 4 سنوات عند 5.14% الشهر الماضي، أي أسرع بنقطتين مئويتين تقريبًا من معدل التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي.
وقد أشار تقرير السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الشهر الماضي، بشكل غير معتاد، إلى M2، الذي وصفه وارش بأنه "إضافة" خفية، وقال إن نمو 5% أقرب إلى المعدل الطبيعي لفترة التضخم المنخفض في العقد الأول من الألفية الثانية بعد تقلبات حادة خلال السنوات الـ6 الماضية.
لكن نقاش الاحتياطي الفيدرالي حول المعروض النقدي أصبح عالميًا. كتب أوتمر إيسينج، كبير الاقتصاديين السابق في البنك المركزي الأوروبي والبنك المركزي الألماني، في مجلة "سنترال بانكينج" هذا الأسبوع، أن نهج "الركيزتين" الأصلي للبنك المركزي الأوروبي -الذي يدمج التحليل الاقتصادي والنقدي ويتحقق منهما قبل وضع السياسة النقدية- كان منطقيًا.
وأصبح من الضروري الآن النظر إلى ما هو أبعد من مجرد أهداف التضخم البسيطة. وأقر إيسينج بأن "عصر ازدهار النقدية أصبح من الماضي البعيد"، لكنه أضاف أن تجاهل المعروض النقدي والمخاطر الناجمة عن النظام المصرفي والأسواق المالية، بكل ديناميكياتها وتعقيداتها غير الخطية.
كما أشاد إيسينج بأحد أعضاء فريق عمل وارش الجديد، ويليام وايت، كبير الاقتصاديين السابق في بنك التسويات الدولية، وهو ناقد قديم لاستهداف التضخم الضيق، واشتهر بتحذيره في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من أن السياسة النقدية الأمريكية.
كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز
