نايف الدندني
تشهد أسواق النفط منذ بداية 2026 حالة من الترقب الحذر نتيجة التطورات السياسية والأمنية في إيران، التي رافقتها تصريحات متضاربة من الإدارة الأمريكية بشأن إمكانية اللجوء إلى خيار عسكري. ورغم تراجع حدة التوترات مؤقتاً منتصف يناير 2026 بعد سلسلة تصريحات هدأت الموقف، فإن احتمال حدوث عمل عسكري أمريكي سواء كان محدوداً أو أكثر شمولاً يظل أحد أبرز عوامل عدم اليقين التي تؤثر بدورها في اتجاهات أسعار النفط في المديين القريب والمتوسط.
ولكن ما أبرز السيناريوهات الواقعية المحتملة وما التقديرات المتوقعة وتأثيرها في حركة الأسعار؟ لعل السيناريو الأبرز والأكثر احتمالية هو سيناريو ضربة أمريكية جراحية محدودة ودقيقة، حيث يتم استهداف منشآت عسكرية أو نووية أو قيادات في الحرس الثوري مع تجنب البنية التحتية النفطية بشكل متعمد، وهو مشابه للضربات الأمريكية على المنشآت النووية التي حدثت في يونيو 2025.
هذا السيناريو يتضمن أن يكون رد إيران المتوقع رمزياً أو هجمات صاروخية محدودة على قواعد أمريكية، لكن بدون المساس بمضيق هرمز أو منشآت التصدير النفطي وبالتالي فإن تأثيره في أسعار النفط قد يكون ارتفاعا فوريا بسبب ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية وسيكون في نطاق 3 - 5 دولارات للبرميل لكن سرعان ما يتراجع الارتفاع خلال أيام إلى أسبوعين إذا لم يحدث تصعيد إضافي ولم تتطور العمليات العسكرية خارج نطاق هذا السيناريو، بالقياس على ما حدث بعد الضربات الجوية الأمريكية في يونيو 2025 على المنشآت النووية الإيرانية فقد ارتفع السعر مؤقتاً ثم عاد وانخفض تحت مستواه قبل الضربة.
أما السيناريو الثاني حيث يتم تصعيد متوسط واستهداف جزئي للبنية التحتية النفطية الإيرانية.
ويتضمن ضربات على موانئ تصدير أو حقول نفطية أو مصافٍ، خاصة إذا اعتبرت أمريكا إيران تستخدم عائدات النفط لتمويل القمع الداخلي، فمن المتوقع أن يكون الرد الإيراني تعليقا جزئيا أو كاملا لصادراتها وربما هجمات على ناقلات في الخليج أو محاولة تعطيل حركة السفن، وهو ما سيؤثر في أسعار النفط ويؤدي إلى ارتفاع حاد وقوي بمعدل يفوق 10 دولارات خلال الأيام أو الأسابيع الأولى، فالسوق ستسعّر اختفاء الإنتاج الإيراني وستحتسب علاوة مخاطر إقليمية وبالتالي سيكون الارتفاع في الأسعار ملاحظا فوريا وقويا.
السيناريو الثالث وربما يمكننا تسميته بالسيناريو الكارثي فهو إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل أو شبه كامل.
فقد تقرر إيران إغلاق المضيق رداً على الضربة أو أن يأتي مثل هكذا قرار كرد فعل على تصعيد متبادل يتضمن خروج العمليات خارج نطاق السيطرة أو استهداف مناطق خارج الخطط الرئيسية، وقد يحدث ذلك نتيجة تطورات عسكرية ما سيتسبب في منع مرور 19–21 مليون برميل يومياً وهو ما يقدر بنحو 20% من الإمدادات البحرية العالمية.
ورغم أن هذا الاحتمال منخفض نسبياً بسبب تأثيراته في الأسواق العالمية وشل 20% من إمدادات النفط العالمية وبسبب الوجود البحري الأمريكي القوي والمكثف والتكلفة الاقتصادية الهائلة على إيران نفسها إلا أن التأثير في أسعار النفط سيأتي على هيئة صدمة سعرية كبيرة جداً قد تتجاوز 20 دولارا أو أكثر في الأسابيع الأولى.
وقد نشهد مستوى الثلاث خانات، إن حصل هذا السيناريو أو في حال استمراره، كما أن التلويح بمثل هكذا سيناريو سيرسل رسالة إلى الأسواق تتضمن الخوف من الإغلاق بدون حدوثه فعلياً وهو ما يرفع بلا شك علاوة مخاطر وقد تصل بنا الحال إلى مستويات أسعار غير مسبوقة منذ بدء الحرب الروسية - الأوكرانية، مع تداعيات تضخمية عالمية خطيرة إذا ما حدث هذا السيناريو الحساس.
السوق حالياً تسعّر سيناريو عدم حدوث ضربة كبيرة بعد تصريحات التهدئة الأخيرة من ترمب، لكن مع بقاء علاوة مخاطر صغيرة 2–4 دولارات.
لكن أي تطور مفاجئ للتصعيد كتصريح قوي، أو حركة حاملات طائرات، أو حادث في الخليج العربي قد يعيد الأسعار بسرعة إلى مستويات أعلى بسرعة كبيرة.
إن السؤال والعامل الحاسم هو: هل ستُستهدف المنشآت النفطية الإيرانية مباشرة؟ وهو السيناريو الثاني الذي في اعتقادي سيتجنبه الأمريكيون تجنباً لأي أزمة اقتصادية ونفطية تؤثر في الاقتصاد العالمي والأمريكي الذي بذلت الإدارة الأمريكية الحالية جهوداً عملاقة في خفض أسعار النفط عندما فتحت الحقول النفطية الأمريكية لأعلى مستويات الإنتاج ومكنت الشركات النفطية الأمريكية من العودة إلى الاستثمار والإنتاج في تلك الحقول، ولا أظن أنها في وارد المساس بالمنشآت النفطية الإيرانية لتلك الأسباب رغم اتهامها الحكومة الإيرانية بأنها توجه عائدات النفط لتمويل المشروع النووي وبناء قدرات الصواريخ البالستية وأخيراً قمع وقتل المتظاهرين.
السيناريو الأخطر في نظري هو الرد الإيراني بمنع ناقلات النفط من مواصلة سيرها في مضيق هرمز على غرار ما حدث من قبل الحوثيين في باب المندب، وهو ما سيكون السيناريو الذي سيقفز بالأسعار عالياً إن حدث رغم محدودية نسبة حدوثه لآثاره المدمرة في الاقتصاد العالمي وإيران نفسها.
أما إذا بقي الأمر في إطار الضربات الجراحية المحدودة وهو السيناريو الأول فإن التأثير في اتجاهات أسعار النفط سيكون مؤقتا ومحدودا.
خبير استراتيجي في شؤون الطاقة