الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الاثنين, 1 يونيو 2026 | 15 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

كيف تُقاس جودة الحكم القضائي؟

بكر الهبوب
الأربعاء 19 نوفمبر 2025 14:50 |3 دقائق قراءة


 بكر عبداللطيف الهبوب -

تحت قبة المحكمة، لا يقتصر الحكم القضائي على إنهاء الخصومة، بل يتحوّل إلى نصّ مؤسس يجمع بين الدقة القانونية والرؤية الاجتماعية والمنهجية الرصينة. تقاس قيمته بمدى التزامه بالمعايير الدستورية والأخلاقية والفنية، ومن هذا المنطلق وضعت الدول والمنظمات الدولية مؤشرات لقياس جودة الأحكام لتعزيز الشفافية وثقة المجتمع بالقضاء.

فأول ما يميز الحكم الرصين هو انسجامه مع الدستور والحقوق الأساسية، فلا يتعارض مع نص تشريعي صحيح أو النظام العام. يتجلى ذلك في ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي عبر رقابة صارمة، وفي الولايات المتحدة عبر سلطة المحكمة العليا لإسقاط أي حكم يخالف الدستور، وفي السعودية من خلال نقض الأحكام المخالفة للنظام العام، وكذلك في مصر والأردن عند مراجعة مدى اتساق القضاء مع الحماية الدستورية للحقوق. لكن جودة الحكم لا تقوم على النصوص وحدها، بل على النزاهة والشفافية.

 ففي المملكة المتحدة وكندا وأستراليا تُطبق مدونات سلوك صارمة، وتستخدم نقابات المحامين الأمريكية مثل ABA معايير لتقييم النزاهة القضائية. وفي السعودية يراقب التفتيش القضائي جودة الأحكام ويضبط الأداء المؤسسي وفق "لائحة التفتيش القضائي"، ما يعزز الالتزام الأخلاقي والفني للقضاة.

تستمد الأحكام قوتها من الرقابة المؤسسية، إذ تضطلع المجالس القضائية بدور إشرافي لضمان نزاهة القضاة ومساءلتهم، بما يعزز الثقة في القضاء. كما يشمل معيار الالتزام بالضوابط الفنية والإجرائية التأكد من تسلسل منطقي للحيثيات وصياغة دقيقة والالتزام بالمدد القانونية.

وقد جسدت دول مثل ألمانيا وفرنسا ذلك عبر تقاريرCEPEJ ، فيما وضعت السويد وأستراليا لوائح لضبط توقيت إصدار الأحكام ومتابعة تنفيذها. في السعودية، أطلقت وزارة العدل إدارة الجودة القضائية لتعزيز دقة وفاعلية الخدمات القضائية، مستفيدة من التحول الرقمي لتسريع الإجراءات ومراقبة الأداء بكفاءة.

ولا يقل المضمون أهمية عن الشكل، خصوصًا عند الاتساق مع السوابق والمبادئ القضائية. في الأنظمة الأنجلوسكسونية يُعد الالتزام بالسابقة ركيزة أساسية، مع ترك مجال للاجتهاد عند الحاجة. أما النظم المدنية مثل فرنسا وألمانيا ومصر والمغرب فتفرض تسبيبًا واضحًا للعدول عن السوابق لضمان توحيد القانون واستقرار العمل القضائي. التجربة السعودية تسير وفق "السابقة الإرشادية"، التي تُلزم القاضي بشرط توضيح سبب العدول لضمان الشفافية، مع سعي لبناء قاعدة شاملة للمبادئ القضائية لتعزيز اليقين القانوني.

ويبرز مبدأ التناسبية عند تعارض الحقوق أو المصالح العامة مع الحريات الفردية، إذ يقيس الحكم قدرته على تحقيق توازن عادل بين القيم المتضادة، كما في ألمانيا وكندا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وفي السعودية، يظهر المعيار في القضاء الإداري لتعزيز سلطة القاضي التقديرية، بما يحمي المشاريع القائمة من تغيير شروطها القانونية دون سبب مشروع.

وتكتمل جودة الحكم بوضوح التسبيب وقوة الحيثيات، بحيث لا تُترك ثغرات ويُعالج القاضي دفوع الخصوم والاجتهادات السابقة بشكل واضح. اعتمدت فرنسا منذ 2016 "التسبيب المعزز"، مستفيدة من التجربة الأنجلوسكسونية، فيما شدد المجلس الأعلى للقضاء في السعودية على أهمية التسبيب كركيزة أساسية، مؤكدة في اللائحة التنفيذية لطرق الاعتراض ضرورة التوضيح والمعالجة الدقيقة لكل دفوع الخصوم.

البعد الكمي يكمل المعايير، عبر مؤشرات زمن الفصل وعدد القضايا المنجزة ونسب النقض أو التعديل، كما تصدر تقارير دورية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وسنغافورة وجنوب إفريقيا.

التحول الرقمي في السعودية أتاح لوحات بيانات دقيقة لإنجاز القضايا وإحصاءات مباشرة، مع جلسات عن بُعد تصل نسبتها إلى 90%، وإصدار ملايين الأحكام إلكترونيًا.

وتجمع الشفافية كل هذه الأبعاد؛ الحكم الجيد يشرح خطواته، يوثق أسبابه، وينشر حيثياته. في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وكندا وسنغافورة، تُعد إتاحة الأحكام للجمهور معيارًا أساسيًا للجودة. في السعودية، تقدم وزارة العدل بوابة للأحكام النهائية، وترجم ديون المظالم مجموعة المبادئ القضائية باللغتين الإنجليزية والفرنسية لتعزيز التفاعل الدولي، ما يبرز منحى التطوير والإصلاح.

 وتكتمل الصورة باستطلاع آراء أصحاب المصلحة من خبراء ومحامين وأكاديميين، كما في تجربة اللجنة الأوروبية لكفاءة العدالة (CEPEJ) وأدوات التقييم في كندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. هذه الآراء تسهم في بناء مقاييس موضوعية، وتعزز المساءلة وجودة العدالة، وتكسب المؤشرات حياة عملية تتحول بها البيانات إلى واقع يومي يُجسد سيادة القانون.

لم تعد مؤشرات جودة الأحكام مجرد ترتيب دولي، بل أداة لإصلاح منظومة العدالة وكشف مكامن القصور. وبالاستفادة من الذكاء الاصطناعي، يمكن تحسين الأداء القضائي وتطويره بدقة. لكن القيمة الحقيقية تُقاس بما يلمسه المتقاضي من عدالة واضحة ويقين قانوني، فتتحول المؤشرات إلى ممارسة حية تبرز سيادة القانون.

مستشار قانوني

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية